عباسي تكتب .. حين ينفذ القرار من لا يفهمه
التاج الإخباري -
بقلم: مجد عباسيفي إحدى الحكايات الرمزية التي تختصر كثيرًا من تعقيدات الواقع، يُروى أن فيلًا هرب من الغابة مذعورًا. سأله الآخرون: ما الذي يدفعك إلى الفرار وأنت الأقوى بيننا؟ فأجاب: إن الأسد أعلن أنه سيقتل كل الزرافات. تعجّبوا من خوفه وقالوا: لكنك لست زرافة، فما الذي يقلقك؟ فأجاب بهدوءٍ عميق: أعلم ذلك، لكن تنفيذ القرار أوكله إلى حمار.
هذه الحكاية، على بساطتها، تحمل معنى يتجاوز الغابة وحيواناتها. فهي لا تتحدث عن القوة أو الضعف، بقدر ما تتحدث عن الخلل حين يُسند القرار إلى من لا يملك الحكمة ولا القدرة على التمييز. عندها لا يعود الخطر مرتبطًا بمن وُجِّه إليه القرار، بل بمن سينفّذه. لأن الجهل حين يقترن بالسلطة يتحول إلى تهديد شامل، لا يفرّق بين مستهدف وغيره.
إن أخطر ما قد يواجه المجتمعات ليس وجود قرار خاطئ فحسب، بل وجود من ينفذه بلا وعي ولا إدراك. فالقوانين والسياسات، مهما كانت عادلة في ظاهرها، يمكن أن تتحول إلى أدوات ظلم إذا تولى تطبيقها من يفتقر إلى العقل والرشد. وفي مثل هذه البيئات، يصبح الأذكياء أول من يشعر بالخطر، لأنهم يدركون أن الخطأ في التنفيذ قد يطال الجميع.
التاريخ الإنساني مليء بأمثلة مشابهة؛ إذ لم تكن الكوارث الكبرى دائمًا نتيجة سوء النية، بل نتيجة سوء التقدير، وسوء الاختيار فيمن يتولى المسؤولية. فحين تتقدم المصالح الضيقة والولاءات على الكفاءة، يصبح القرار رهينة المزاج والهوى، وتتحول العدالة إلى مجرد شعار.
ولهذا، فإن معيار قوة الدول والمؤسسات لا يُقاس فقط بصلابة أنظمتها أو كثرة مواردها، بل بقدرتها على اختيار أصحاب العقول والخبرات في مواقع القرار والتنفيذ. فالحكمة لا تكفي إن لم تجد من يحملها، والعدل لا يتحقق إن لم يطبّقه من يفهمه.
إن الرسالة التي تحملها هذه القصة واضحة: حين تُسلَّم المسؤوليات إلى غير أهلها، يصبح الخطر عامًا، ويغدو العقلاء أول من يدفع الثمن، لأنهم يرون ما لا يراه غيرهم، ويدركون أن الفوضى لا تستثني أحدًا.
في نهاية المطاف، ليست المشكلة في وجود “أسد” يتخذ القرار، بل في وجود “حمار” ينفذه. فالمجتمعات التي تحمي مستقبلها هي تلك التي تدرك أن المسؤولية أمانة، وأن الكفاءة ليست ترفًا، بل شرطًا للبقاء والاستقرار.
الرجاء الانتظار ...