الحباشنة يكتب: الضمان الاجتماعي بين الحقيقة والموائمات .. من روّض النمور في اليوم العاشر؟
التاج الإخباري -
بقلم: المهندس عامر الحباشنة.لم يمرّ أسبوع على تسريبات مشروع القانون المعدّل للضمان الاجتماعي، وما رافقها من نقاشات وتعليقات على مختلف المستويات، العامة منها والمتخصصة، حتى خرجت الحكومة بمواءمة جديدة تتعلق بالتعديلات المقترحة، تقضي بترحيل الاستحقاق أربع سنوات قادمة مع الحفاظ على المبدأ العام للتعديلات. بدا المشهد وكأنه هدنة نقاشية أو ترحيل مُعدّ سلفًا، أكثر منه حسمًا لجدل وطني واسع.
في مقال سابق، وكما يتفق كثيرون، فإن الضمان الاجتماعي مسألة سيادية بامتياز، الأصل فيها معادلات علمية دقيقة، بعيدة عن العواطف والشعبوية. وقد عبّر عن ذلك معالي رئيس مجلس إدارة مؤسسة الضمان الاجتماعي، وزير العمل الدكتور خالد البكار، في حديثه التلفزيوني، حين أكد أن التعديل وجوبي، وناتج عن دراسات ومنهجية علمية، في مقدمتها الدراسات الاكتوارية، وقد نشرت الحكومة لاحقًا خطوطها العريضة بما يعزز — وفق طرحها — صوابية القرار.
لكن في اليوم العاشر عادت الحكومة لتطرح خيار الترحيل لأربع سنوات، مع التدرج في التطبيق على مدى عشر سنوات تبدأ من عام 2030. وهنا نعود إلى المربع الأول، حيث يبرز التساؤل المشروع:
ألم يكن سيناريو الترحيل مطروحًا على طاولة النقاش منذ البداية؟ وإذا كان كذلك، فلماذا لم يُعلن منذ اللحظة الأولى؟ وإذا لم يكن مطروحًا، فكيف يغيب عن الخيارات احتمال بهذا الحجم في ملف وطني بهذا الثقل؟
من روّض الأخر خلال هذه الأيام القليلة؟ ومن الذي أدخلنا باب الموائمات والتسويات في شأن لا يحتمل حركشات السياسة ولا مناوراتها؟
نحن أمام صندوق سيادي يرتبط به مصير ملايين الأردنيين، ويمثل ركيزة من ركائز الدولة العابرة للحكومات. لذلك فإن من فتح هذا الملف مطالب بإكماله بالقدر ذاته من الصراحة والشفافية، وبعقل الدولة لا بعقل اللحظة، ضمن مسارين واضحين.
المسار الأول:-
هو مواجهة الواقع كما هو، مهما كانت الحقائق صعبة أو مؤلمة، والعمل على اجتراح حلول استراتيجية بعيدة المدى، لا تحتمل المجاملات ولا الكنس تحت السجادة، لأن التأجيل لا يلغي التحديات بل يضاعف كلفتها.
المسار الثاني :-
فهو مراجعة المنظومة الاقتصادية السابقة بجوانبها الاستثمارية والاجتماعية، والكشف عن مواطن الخلل، لا بهدف تصفية الحسابات، بل لضمان عدم تكرار الأخطاء، وتصويب الاتجاه بما يحفظ المال العام وحقوق المشتركين ويعزز الثقة بالمؤسسات.
خلاف ذلك، سنعود إلى سيرة الترويض والاستناد إلى عامل الزمن في تقطيع الزمن، فيروض أحدنا الآخر، كما في رواية النمور في اليوم العاشر للأديب السوري زكريا تامر، حيث يصبح النمر — أو المواطن — نمرًا مروّضًا بانتظار لحظة الحقيقة المؤجلة.
الكرة اليوم في ملعب السلطة التنفيذية والتشريعية، كما هي في ملعب المواطنين، بل في ملعب الدولة بأسرها، لأن الضمان الاجتماعي ليس ملفًا حكوميًا عابرًا، بل عقدًا اجتماعيًا طويل الأمد، وأحد أعمدة الاستقرار الوطني.
ولله الأمر من قبل ومن بعد.
الرجاء الانتظار ...