الحباشنه يكتب: صافرة إنذار الضمان… ما الذي لا يُقال للأردنيين؟
التاج الإخباري -
بقلم: المهندس عامر الحباشنه.تساؤلات مشروعة حول تعديل قانون الضمان الاجتماعي بين الاستحقاق الحقيقي وأزمة الثقة
أما بعد،
ولكي لا يتحول الحديث عن الضمان الاجتماعي إلى ما يشبه قصص الأفاعي والبحث عن الذهب في أمسيات الشتاء، أو يصبح منصة للتجاذبات وصراعات مراكز القوى، لا بد من وضع هذا الملف في إطاره الحقيقي. فالضمان الاجتماعي ليس مؤسسة عادية، بل هو الملاذ الآمن لمرحلة التقاعد، ومؤسسة الأمان والاستقرار، وركيزة من ركائز الدولة العابرة للحكومات، رغم أن من يقود دفتها في كل مرحلة هي تلك الحكومات نفسها.
ومنذ تأسيس المؤسسةالعامةللضمانالاجتماعي، يتجدد الحديث مع كل تعديل في القانون أو الأنظمة عن النجاحات والتحديات، وعن قوة الصندوق أو ضعفه، وعن كفاءة استثماراته. إلا أن ما يجري اليوم يبدو مختلفاً؛ فالحكومة ممثلة بوزير العمل أطلقت ما يشبه صافرة إنذار، في إشارة إلى أن الصندوق أمام تحدٍّ حقيقي يتطلب معالجة عاجلة لا تحتمل التأخير. وهذا بطبيعته يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة تحتاج إلى إجابات شفافة، بعيداً مرة أخرى عن الاستقطابات السياسية أو الاقتصادية أو مراكز القوى.
وقبل الدخول في هذه التساؤلات، لا بد من تسجيل موقف واضح؛ فجرأة وزير العمل ورئيس مجلس إدارة الضمان معالي الوزير خالد البكار في فتح هذا الملف تستحق التقدير. فهذا مسلك صعب ووعر، ظل لسنوات طويلة ضمن دائرة التطمينات والحديث عن “الصندوق الآمن” والمسكوت عنه. ومع ذلك، فإن الشجاعة في الطرح يجب أن تقابلها شفافية في الإجابات، لأن الأمر يتعلق بأحلام الناس وأموالهم ومستقبلهم.
وتشير الأرقام المتداولة حسب اطلاعي من مصادر إعلامية أن عدد المشتركين في الضمان يقترب من مليون وأربعمائة ألف مشترك، وأن عدد المتقاعدين يزيد على ثلاثمائة وخمسين ألف متقاعد، فيما تقدر موجودات الصندوق بنحو خمسة عشر مليار دينار أردني. وهذه الأرقام تعني أن أي تعديل أو قرار اليوم لا يمس فئة محددة، بل حاضر ومستقبل ملايين الأردنيين، والأجيال القادمة، وأن العوائد الاستثمارية أصبحت العامل الحاسم في استدامة هذا النظام.
أولاً: طبيعة الاستحقاق
هل نحن أمام استحقاق وجوبي ووجودي لتعديل القانون، أم أن التعديل جاء نتيجة ظروف سياسية أو اقتصادية مرحلية؟ إن الإجابة الصادقة والواضحة على هذا السؤال تمثل المدخل الحقيقي لبناء الثقة بين الحكومة والمجتمع، لأن الناس لن تدافع عن قرارات لا تفهم أسبابها.
ثانياً: مسؤولية السياسات السابقة
ما دور القرارات الحكومية السابقة في الوصول إلى هذه المرحلة؟ مثل التوسع في التقاعد المبكر، أو الاستدانة من أموال الضمان، أو توجيه جزء من استثماراته نحو مشاريع حكومية. ومن يضمن أن مبررات التعديل الحالي لا تشبه مبررات تلك القرارات التي قُدمت سابقاً باعتبارها إنجازات وطنية؟ إن تقييم هذه المرحلة بموضوعية ضرورة لحماية المؤسسة، وليس استهدافاً للأشخاص.
ثالثاً: جدية الحوارات والنقاشات
في النقاشات التي سبقت مشروع القانون، يبرز تساؤل حول مدى تخصصية هذه الحوارات. فبعض الجلسات العامة لم تخرج في كثير من الأحيان عن إطار الكلام الإنشائي، دون نقاش علمي عميق يجيب عن الأسئلة الجوهرية المرتبطة بالاستدامة المالية والاستثمارية. إن هذا الملف يتطلب حوارات تخصصية حقيقية، لا مجرد نقاشات عامة.
رابعاً: الدراسات الاكتوارية
أين الدراسات الاكتوارية المنتظمة؟ ومتى تم التنبيه إلى الخطر؟ فهذه الدراسات تعتمد على مدخلات تقدمها المؤسسة، أي الحكومة. فهل تغيرت هذه المدخلات؟ وهل نحن أمام نتائج علمية محايدة؟ أم مخرجات مرتبطة بمدخلات محددة؟ إن الأمر قد يتطلب مراجعات من جهات مستقلة أو دولية لضمان الحياد والمصداقية، وتعزيز ثقة المجتمع.
خامساً: المساءلة والتقييم
ألا يستحق هذا الملف لجنة فنية وطنية مستقلة، تضم اقتصاديين وخبراء استثمار، تتولى تقييم الأداء الاقتصادي والاستثماري للسنوات السابقة بشفافية، وتحميل المسؤولية عند ثبوت التقصير؟ فالمساءلة العلمية لا تستهدف الأشخاص، بل تحمي المؤسسة وتمنع تكرار الأخطاء.
سادساً: بناء الثقة المجتمعية
من يطمئن الأردنيين أن ما يحدث اليوم ليس تكراراً لاجتهادات سابقة قيل عنها إنها خلاقة ومبدعة، ثم تبين لاحقاً أنها حملت مخاطر على الصندوق؟ إن بناء الثقة يتطلب شفافية كاملة في الأرقام، ووضوحاً في السيناريوهات، ومشاركة حقيقية للرأي العام في النقاش.
إن الضمان الاجتماعي صندوق تأمين وتكافل لكل الأردنيين، وعمود من أعمدة استقرار الدولة والمجتمع. ولذلك فإن أي تعديل جوهري على قانونه يجب أن يخضع لمصارحة وطنية شاملة، تجعل الناس شركاء في القرار ومدافعين عنه. فالمصارحة تبدأ من الحكومة، وتستمر في المجلس النيابي، وتصل إلى المجتمع.
أما تمرير التعديل دون قناعة عامة، حتى وإن كان دستورياً، فسيؤدي إلى شرخ عميق في جدار الثقة بين الناس ومؤسسات الدولة، وهو شرخ لا يشبه غيره، لأن هذا الملف يمس الأمن الاجتماعي والاقتصادي للدولة.
فهذا القانون ليس كقانون السير أو الضريبة أو البيئة، بل هو قانون كل الأردنيين، يمس حاضرهم ومستقبلهم وأمنهم الاجتماعي.
وتبقى الشفافية والمصارحة الطريق الأقصر لتعزيز الثقة، وحماية هذه المؤسسة الوطنية للأجيال القادمة.
ولله الأمر من قبل ومن بعد.
الرجاء الانتظار ...