اللوزي تكتب: التواضع كقيمة قيادية في فكر جلالة الملكة رانيا العبدالله

بقلم: المهندسة نور أحمد اللوزي

لم تتناول جلالة الملكة رانيا العبدالله في خطابها أمام قمة الأعمال العالمية يوم أمس مفهوم التواضع باعتباره خُلقاً شخصياً فحسب، بل قدّمته كمرتكز قيادي حاسم في زمن التحولات الكبرى، ففي سياق عالمي يتسم بتسارع الذكاء الاصطناعي، واضطراب الأسواق، وتنامي النزعات الانعزالية، أعادت جلالتها طرح السؤال الجوهري: كيف نوجّه التقدم بدلاً من أن ننجرف خلف سرعته؟

التواضع، وفق الرؤية التي طرحتها، ليس تراجعاً عن الطموح ولا شكاً في القدرة، بل وعيٌ بالحدود، هو إدراك أن السلطة لا تعني امتلاك الحقيقة الكاملة، وأن القرارات – مهما بدت محسوبة – تحتاج إلى مراجعة دائمة. في عالم تعمل فيه الأنظمة بسرعة رقمية وعلى نطاق عالمي، قد تتحول الأخطاء الصغيرة إلى أزمات واسعة، وهنا يصبح الاعتراف بإمكانية الخطأ أداة وقائية، لا ضعفاً قيادياً.

وقد شددت جلالتها على أهمية طرح السؤال الأصعب: “ماذا لو كنا مخطئين؟” هذا السؤال، في جوهره، يعكس انتقال القيادة من ثقافة اليقين المطلق إلى ثقافة المساءلة والانفتاح، فالقائد المتواضع لا يخشى الآراء المخالفة، بل يعتبرها ضمانة لاستدامة القرار، وهو لا ينجذب إلى المكاسب الفورية بقدر ما ينظر إلى الأثر طويل المدى.

كما أوضحت جلالتها من خلال أمثلة عملية أن التواضع يُترجم إلى أنظمة عمل تمنح الجميع صوتاً، وتبني مؤسسات قادرة على التصحيح الذاتي، فالمؤسسة التي تُنصت وتسمح بالاعتراض المبكر تقل فيها المخاطر، وترتفع فيها الجودة، ويتعزز فيها الانتماء. وهنا يتحول التواضع من قيمة فردية إلى ثقافة تنظيمية.

وفي سياق الجنوب العالمي، أضافت جلالتها بعداً آخر للمفهوم؛ إذ يصبح التواضع أيضاً اعترافاً بضرورة إشراك من يتحملون تبعات القرارات في صياغتها، فالقيادة المسؤولة لا تفرض مسارات من أعلى، بل تبني توافقاً يستند إلى الواقع المعاش.

إن الرسالة الأعمق في خطاب جلالة الملكة تتمثل في إعادة تعريف القوة ذاتها، فالقوة ليست في الصوت الأعلى أو القرار الأسرع، بل في القدرة على المراجعة والتصحيح، وفي الموازنة بين الطموح والمسؤولية، وبهذا الطرح، يصبح التواضع قيمة قيادية استراتيجية تحمي المؤسسات من الغرور، وتحمي المجتمعات من كلفة الأخطاء غير المحسوبة.

في عالم يمجّد السرعة واليقين، جاء خطاب جلالتها ليذكّر بأن التقدم الحقيقي لا يتحقق إلا حين يُدار بعقلٍ متواضع، ورؤيةٍ بعيدة المدى، وإحساسٍ عميق بالمسؤولية الإنسانية.




مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى