الصداع والخمول .. كيف نهيئ أجسادنا لاستقبال رمضان؟ أخصائية تغذية توضح لـ"التاج"
التاج الإخباري -
لينا الناصر .مع اقتراب شهر رمضان، يلاحظ كثير من الصائمين شعورًا بالتعب والخمول والصداع وقلة التركيز في الأيام الأولى، ما يدفع البعض للاعتقاد بأن الصيام يشكّل ضغطًا صحيًا على الجسم. غير أن المختصين يؤكدون أن هذه الأعراض شائعة ومؤقتة، وترتبط غالبًا بمرحلة انتقالية يمرّ بها الجسم عند تغيّر نمط الأكل اليومي.
وبينت أخصائية التغذية العلاجية فاتن عطاري، أن الجسم يكون معتادًا طوال العام على تلقي الطعام كل بضع ساعات، وعند الانتقال المفاجئ إلى الصيام لساعات طويلة يبدأ بالاعتماد في البداية على الغلوكوز كمصدر سريع للطاقة، ثم ينتقل إلى استخدام مخزون الطاقة في الكبد والعضلات، ومع مرور الأيام يتكيّف تدريجيًا ليعتمد بشكل أكبر على الدهون كمصدر للطاقة.
وأشارت عطاري، خلال حديثها مع "التاج الإخباري"، إلى أن هذا التحوّل في مصادر الطاقة يفسّر الشعور بالدوخة أو الهبوط الخفيف في بداية رمضان، مؤكدة أن هذه الحالة طبيعية وغير مقلقة، وغالبًا ما تزول بعد أيام قليلة مع تأقلم الجسم.
وأكدت أن تهيئة الجسم قبل دخول شهر رمضان تُعد خطوة ذكية وأساسية لتفادي الشعور بالإرهاق، مشددة على أن هذه التهيئة لا تحتاج إلى أنظمة قاسية أو حرمان غذائي، فقبل رمضان بنحو 10 إلى 14 يومًا، يمكن البدء بتقليل السناكات العشوائية بين الوجبات، والتخفيف التدريجي من السكريات العالية والكافيين، وزيادة شرب الماء، إلى جانب تنظيم مواعيد الأكل.
كما ونصحت بترتيب مكونات الوجبة بحيث يبدأ تناول الطعام بالألياف، ثم البروتين والدهون الصحية، وأخيرًا الكربوهيدرات المعقّدة، ما يساعد الجسم على الدخول في الصيام بشكل تدريجي ومريح دون صدمة مفاجئة.
ولفتت أخصائية التغذية إلى أن هناك فئات تحتاج إلى عناية خاصة قبل الصيام، من بينها مرضى السكري، وأمراض الغدة الدرقية، إضافة إلى من يعانون من القولون العصبي، وارتجاع المريء، والحموضة، وتشمل هذه الفئات: كبار السن الذين يعانون من فقر الدم أو نقص فيتامين B12، والأشخاص المصابين بالصداع النصفي أو انخفاض ضغط الدم، حيث تؤكد أهمية توعيتهم بكيفية توزيع الطعام والسوائل بين الإفطار والسحور، وتنظيم أوقات تناول الأدوية، وفي بعض الحالات يُفضّل استشارة الطبيب قبل بدء الصيام.
أما الأشخاص الذين يعانون من زيادة كبيرة في الوزن أو مقاومة الإنسولين، أوضحت عطاري لـ"التاج"، أن الصيام قد يشكّل فرصة إيجابية لإعادة ضبط الشهية وتحسين نمط الأكل، شريطة الالتزام بالوعي الغذائي وعدم الانجراف نحو الأكل العشوائي، مؤكدة أن الهدف ليس الحرمان، بل تحقيق استقرار في الطاقة وتجنّب الهبوط المفاجئ الذي قد يؤدي إلى اندفاع شديد في تناول الطعام عند الإفطار.
ونوهت الى أنه عند تطبيق الصيام بطريقة متوازنة، يمكن أن ينعكس بشكل إيجابي على صحة الجهاز الهضمي وتنظيم الشهية والهرمونات، إذ تمنح فترات الامتناع عن الطعام المعدة والأمعاء فرصة للراحة والعمل بكفاءة أعلى، كما تساعد على إعادة ضبط إشارات الجوع والشبع، مشيرةً إلى أن كثيرًا من الصائمين يلاحظون خلال رمضان قدرتهم على التمييز بين الجوع الحقيقي والجوع العاطفي، وهو ما يسهم في بناء علاقة أكثر وعيًا واستقرارًا مع الطعام، ولا يقتصر أثره على الشهر الفضيل فقط.
وفي المقابل، ترى عطاري أن التحدي الحقيقي لا يكمن في الصيام نفسه، بل في السلوكيات الغذائية الخاطئة التي تتكرر خلال رمضان، مثل الإفطار السريع وبكميات كبيرة، والإكثار من المقالي والحلويات، والسهر الطويل، والأكل الليلي دون شعور حقيقي بالجوع.
وأوضحت أن هذه العادات تضع الجسم في حالة إجهاد وتُفقد الصيام فوائده الصحية، ما يدفع البعض إلى تحميل الصيام مسؤولية الخمول والتعب.
كما وشددت على أن استبدال هذه السلوكيات بعادات بسيطة ومستدامة كفيل بتحقيق فرق واضح، مثل البدء بالإفطار على التمر والماء، ومنح الجسم فترة هدوء قصيرة قبل الوجبة الرئيسية، والتركيز على البروتين والخضار والكربوهيدرات المعقّدة، مع التقليل من القلي والحلويات دون حرمان، لافتاً إلى أهمية توزيع شرب الماء بين الإفطار والسحور، والاهتمام بالنوم، وإدخال نشاط بدني خفيف كالمشي بعد الإفطار، لما لذلك من أثر إيجابي على الهضم والطاقة والمزاج.
ونوهت عطاري في حديثها لـ"التاج"، إلى أن شهر رمضان لا يقتصر على تغيير مواعيد الطعام، بل يشكّل فرصة سنوية لإعادة ترتيب العلاقة مع الجسم ومع العادات الغذائية اليومية، مؤكدة أن فهم ما يحدث داخل الجسم والتعامل معه بوعي وهدوء يحوّل الصيام إلى تجربة صحية متوازنة، بدل اعتباره تحديًا مرهقًا.
الرجاء الانتظار ...