السردية الوطنية الأردنية : العشائر بين الشرعية السياسية وإعادة إنتاج الهوية

التاج الإخباري -

بقلم: ماجد الشملان .

تُشكّل السردية الوطنية الأردنية نتاجًا تاريخيًا وسياسيًا لعملية بناء دولة حديثة في سياق إقليمي مضطرب، حيث لم تتأسس الهوية الوطنية بوصفها قطيعة مع البنى الاجتماعية التقليدية، بل عبر استيعابها وإعادة توظيفها، وفي مقدمتها البنية العشائرية.

وعليه، فإن فهم السردية الوطنية الأردنية يستلزم تحليل العلاقة الجدلية بين الدولة والعشائر، لا بوصفها علاقة تبعية أو صراع، بل باعتبارها شراكة تاريخية قائمة على تبادل المصالح والشرعية.


أولًا: العشائر كمصدر للشرعية في مرحلة التأسيس

في مرحلة نشوء إمارة شرق الأردن، واجهت السلطة السياسية الناشئة تحديًا جوهريًا تمثّل في غياب مؤسسات الدولة الحديثة وضعف الموارد.

في هذا السياق، شكّلت العشائر مصدرًا رئيسيًا للشرعية الاجتماعية، حيث منحت الولاءات العشائرية القيادة الهاشمية القدرة على بسط النفوذ وبناء حدٍّ أدنى من النظام السياسي. بالمقابل، وفّرت الدولة إطارًا جامعًا لحماية مصالح العشائر وتنظيم علاقاتها البينية، ما أسّس لعقد اجتماعي غير مكتوب، قوامه الولاء مقابل الاستقرار والاعتراف.

هذا التفاعل أسهم في إنتاج سردية وطنية مبكرة، ربطت بين نشأة الدولة وقيم الفروسية، والنخوة، والدفاع عن الأرض، وهي قيم جرى تقديمها بوصفها مكوّنًا أصيلًا في الهوية الوطنية الأردنية، وليس مجرد إرث عشائري خاص.

ثانيًا: إعادة إنتاج العشيرة داخل خطاب الدولة

مع تطور مؤسسات الدولة، لم يتم تفكيك البنية العشائرية، بل جرى دمجها ضمن خطاب الدولة وأجهزتها. فقد أعادت الدولة تعريف العشيرة من كونها وحدة سياسية شبه مستقلة إلى فاعل اجتماعي وطني، يتم تمثيله من خلال البرلمان، والجيش، والإدارة العامة. وبذلك تحوّلت العشيرة من بنية تنافس الدولة إلى أداة لإسنادها، وهو ما انعكس بوضوح في الخطاب الرسمي الذي يربط بين الانتماء العشائري والولاء الوطني.

غير أن هذا الدمج لم يكن محايدًا بالكامل؛ إذ أسهم في إعادة إنتاج العشيرة بصيغ جديدة، حيث حافظت على دورها في الوساطة الاجتماعية وتعبئة الولاءات، ولكن ضمن حدود ترسمها الدولة. وهنا تظهر السردية الوطنية بوصفها خطابًا انتقائيًا، يبرز عناصر من الثقافة العشائرية تتوافق مع مشروع الدولة، ويتجاهل أو يهمّش عناصر أخرى قد تتعارض مع منطق المؤسسات الحديثة.

ثالثًا: العشائر والدولة: علاقة تبادلية أم زبائنية سياسية؟

من زاوية تحليلية أعمق، يمكن قراءة العلاقة بين الدولة والعشائر ضمن إطار الزبائنية السياسية، حيث يتم تبادل الدعم السياسي والاجتماعي مقابل الامتيازات والتمثيل.

وقد انعكس ذلك في آليات التوظيف العام، والانتخابات النيابية، وتوزيع الموارد، ما أسهم في ترسيخ حضور العشائر في المجال العام، لكنه في الوقت ذاته قيّد تطور مفهوم المواطنة الفردية المتساوية.

هذا النمط من العلاقة أوجد توترًا داخل السردية الوطنية نفسها؛ إذ تُقدّم الدولة خطابًا يؤكد على المواطنة والقانون، بينما تستمر ممارسات غير رسمية تعتمد على الانتماء العشائري. وبذلك تصبح السردية الوطنية أداة لإدارة هذا التناقض، لا لحلّه جذريًا.

رابعًا: التحولات المعاصرة وتحديات السردية الوطنية

في ظل التحولات الاقتصادية، وتراجع دور الدولة الريعي، وصعود أجيال جديدة أقل ارتباطًا بالبنى العشائرية التقليدية، تواجه السردية الوطنية الأردنية تحديًا متزايدًا في قدرتها على الاستمرار بصيغتها الكلاسيكية.

فالعشائر لم تعد الكتلة الاجتماعية المتجانسة التي كانت عليها، بل باتت تخضع لانقسامات داخلية مرتبطة بالطبقة، والتعليم، والموقع الجغرافي.

في هذا السياق، يبرز سؤال جوهري حول مستقبل دور العشائر في السردية الوطنية: هل ستبقى عنصرًا مركزيًا في إنتاج الشرعية، أم ستتحول إلى مكوّن ثقافي رمزي ضمن هوية وطنية أوسع تقوم على المواطنة والمؤسسات؟

إن الإجابة عن هذا السؤال ترتبط بقدرة الدولة على إعادة صياغة سرديتها الوطنية بما يستوعب التحولات الاجتماعية، دون الاعتماد المفرط على الولاءات التقليدية.


وفي الختام يمكن القول إن السردية الوطنية الأردنية لم تُبنَ على تجاوز العشيرة، بل على إدماجها وإعادة تعريفها.

وقد وفّر هذا النموذج قدرًا عاليًا من الاستقرار السياسي، لكنه في الوقت ذاته أنتج مفارقات بنيوية بين خطاب الدولة وممارساتها. ومن هنا، فإن أي قراءة مستقبلية للسردية الوطنية الأردنية لا بد أن تنطلق من فهم هذه العلاقة الجدلية، والسعي إلى تطوير سردية أكثر شمولًا، توازن بين الإرث العشائري ومتطلبات الدولة الحديثة والمواطنة الديمقراطية.




مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى