الحباشنة يكتب : في يوم الوفاء .. ذكريات شخصية.

التاج الإخباري -

بقلم :المهندس عامر الحباشنة

في مثل هذه الساعة والتاريخ من عام 1999,كنت في الحادية والثلاثون من العمر واسير على الطريق بين الكرك وعمان وبالتحديد في منطقة القطرانه متجها لعمان لأداء واجب العزاء بوفاة الخال محمد عبدربة الرماضين الحباشنة (ابو زياد) م، وفي الطريق الراديو شغال على محطة مونتوكارلو المعتادة انذاك على التردد 1233 كما اذكر ،
كان يوما شتائيا باردا وكنت أعمل في مشروع إنشاء مدينة الكرك الصناعية منطقة اللجون، وفي المجال العام كانت الأنباء تتواتر عن صحة جلالة الملك الحسين انذاك في مشفاه في المدينة الطبية التي تحمل إسمه ،كنت انذاك شابا قادما من الدراسة خارج البلاد ومنتسبا لنقابة المهندسين سنوات خمس قبيل هذا التاريخ، وحال كثيرين من أقارني مشتبكين في العمل النقابي وشيئا من العمل الطلاب الذي يحمل سمة التعارض ولا اقول المعارضة حيث لا إنتماء حزبي محدد ولكن توجهات عامة في سياق الأجواء النقابية وقبلها الإتحادات الطلابية ،ولم تكن نظرتي لأداء الحكومات ايجايبا في أغلب الحالات سياقا مع تلك الأجواء ،فكنا نعتبر الحديث عن القضايا المحلية شيئا من الترف مقابل القضايا الوطنية والعربية والاقليمية الكبرى ،الموقف من القضية الفلسطينية وحصار العراق وقضايا معاهدات السلام من الكامب ديفيد لإسلو لوادي عربه وغيرها في مشرق العرب ومغربهم من قضايا.
في هذه الأجواء، العامة كنا نفهم ان الحديث عن الملوك والملك شيئا من اختصاص اهل السلطة والدوله والمؤسسات فهم من يبعث البرقيات ويقيم المهرجانات وهذا امر يعنيهم ،وحتى تلك اللحظة لم أكن شخصيا قد تشرفت بالسلام على ملك او ولي عهد ولا حتى رئيس وزراء، ففي الذاكرة ايام المدرسه الإعدادية ان زار الملك الحسين رحمه الله مدينة الكرك مرتين كنا فيها نقف على الشارع لمشاهدة موكب الملك علنا نحظى بمشاهدته والتلويح بيدنا له ،وفي احداهن كان الموكب الملكي يعبر الطريق في مدينة الكرك من مبنى البلدية /المحافظة بإتجاه منطقة منشبة ابو حمور حيث مهبط الطائرات العمودية ،وعند نزول البركه من جهة مدرسة الكرك الثانوية بعد المغفر القديم كنت واقفا وكان الموكب الملكي مقبلا بسرعة متوسطه وجلالة الملك حسين مطلا من فتحة السيارة لابسا شماغا ،فاقتربت في محاولة السلام ولكن الحرس والأمن دفعونا جانبا بقوة كجزء من واجبهم الوظيفي واكتفيت انذاك بالسلام بالإشارة من بعيد..
نعود القطرانه ومشوار عمان ،فجأه اعلنت الإذاعة مونتوكارلو خبرا عاجلا او ضمن نشرة الأخبار لا أذكر، اعلنت وفاة الحسين رحمه الله ،فجأة انتابني شعور لم أفهمه انذاك وكان الخبر يعنيني شخصيا ولم أكن اظن ان هذا الشعور ينتابني ،فلا معرفة ولا لقاء شخصي ولا موقع رسمي، لكن هذا ما حدث ،وقفت جانبا ،فتحت جيب السيارة البكب فوجدت علبة لاصق تب اسود استخدمه في العمل انذاك، اخذت قطعة منه ولصقتها بطريقة عفوية لا إرادية على الزجاج الأمامي بشكل مائل كوشاح حداد حيث لم يكن ممكنا الصاقها خارجيا بسبب المطر والجو،
هذا ما حصل دون تخطيط، شعور بالفقد لملك ،نعم ملك ولدنا وصحونا وكبرنا على اسمه ورسمه بمشاعر مختلطه تتداخل فيها السياسية والانطباعات وكل مؤثر انذاك وبكل الإتجاهات ،لكن تلك اللحظة كانت غريزية بوعي الداخل بأن الوطن يفقد ملكا قاد سفينة الوطن اربع عقود ويزيد في إقليم رماله متحركة وخطوط سيره دقيقة ولا يحتمل الخطأ ،وطنا اراده البعض شيئا وحوله الحسين إلى شيئا اخرا ،وطنا تتلاطم أمواج المنطقة حوله كالسونامي في أكثر الأحيان، لكنه استمر ونهض بسفان ملك عرف وحفظ الدرس مسبقا وعرف حدود اللعبة والتأثير وقدرات الغير وقدراته ،ولأن كثيرا من المسارات تحكم بالنتائج وليس فقط بالأهداف والنوايا ،ثبت ان المسار كان أكثر واقعية وعقلا وإن لم يخلوا من مطبات هنا وهناك، فثبت في نهاية المسار أننا فقدنا ملكا سياسيا محترفا مؤدجلا دون حزب وثائرا دون ثوره يحمل في عقله إرث وتاريخ وطموح مسار طويل من حياة هذه الأمة يديرها عبر وطن تبقى من حلم كان أكبر ،فكانت الأفكار والطموحات اكبر من حجم الجغرافيا لكنها ثبتت و وازنت عقودا من التجاذبات والتبدلات في المحيط الهادر،
هكذا فهمت الحسين الباني ملكا وإنسانا ومفكرا وحوله رجال صدقوا الوعد وصدقهم العهد ،
في الذكرى لا تكتمل الصورة الا بميزة أسس لها مسار الدولة ونظامها الدستوري فانتقلت السلطة دستوريا من ملك لملك بسلاسة وأداء مؤسسي قل نظيره في عالمنا العربي ،بل انه نادرا ما يحصل ،فاستكملت المسيرة بقيادة ابا الحسين وصحى الأردنيون على ملك ابن ملك حفيد ملك ويوما واياما جديدة في مسيرة وطن قدره ان يكون واحة الاستقرار في محيط شقيق لاهب ،ومن البناء للتعزيز تستمر المسيرة ونستذكر ملك في عهد ملك عكس ما اعتاد الأخرين ،وتستمر المسيرة بقيادة هاشمية رمزها جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين ،حيث لثلاث عقود ونيف نجت سفينتا من أمواج الطائفية والتقسيم والخراب والمكونات واللجوء وهذا بذاته إنجازا معززا ولو لم يكن غيره، فكيف إذا ما رافقه منجزات ومؤسسات نفخر بها وببناتها من أبناء الوطن، مؤسسات وإنجازات نفخر بها ضمن حدود إمكانيات وجغرافيا الوطن الذي قيل انه بحجم بعض الورد إلا أنه له شوكة..
في الذكرى رحم الله الحسين سلفا وحفظ الله ابا الحسين خير خلفا ،وحفظ الله الأردن وطنا وشعبا وجيشا وقياده.
ولله الأمر من قبل ومن بعد.


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى