النعسان يكتب: خلود السقّاف .. المسؤولية بمعناها الأصيل

بقلم: فراس النعسان

هناك مسؤولون يمرّون في المشهد العام مرور الظلال: أسماء تُعلّق على لافتات المناصب ثم تنطفئ بسرعة، لا تُرى إلا في نشرات الأخبار، ولا تُسمع إلا في بروتوكولات المجاملة.

وهناك، في المقابل، قِلّةٌ نادرة تُعيد للمسؤولية معناها الأصيل، كأنها تُعيد للوظيفة روحها الأولى قبل أن تبهت تحت غبار الروتين. من بين هذه القلّة تبرز خلود السقّاف، التي أثبتت - بالفعل لا بالقول - أن المنصب لا يصنع قيمة الإنسان، بل الإنسان هو الذي يمنح المنصب قيمته.

أذكر تجربتي معها كما لو أنها مشهد مضيء في ذاكرة أثقلتْها حكايات الانتظار الطويل.

كنتُ قد تواصلت معها حين كانت وزيرة للاستثمار، أحمل شكوى مستثمر في منطقة حرّة، مشكلة بدت يومها معقّدة بما يكفي لأن تتوه في دهاليز الإجراءات، وأن تنتظر أطناناً من الخطابات والوعود. لكن ما حدث كان على النقيض تماماً؛ إذ لم تمضِ دقائق حتى فتحت الوزيرة باب المتابعة بنفسها، واتصلت بالمستثمر الذي يعيش خارج المملكة، وشرعت في حلّ المشكلة بكفاءة نادرة تبعث على الدهشة، وبدون أن ترفع شعاراً أو تصنع ضجيجاً حول واجب كان ينبغي أن يكون بديهياً.

ذلك اليوم، بدا لي أن المسؤول الحقيقي يشبه الماء: يتسلل إلى أصل المشكلة بلا استعراض، ويعيد الحياة إلى الأشياء من غير أن يطالب أحداً بالتصفيق له.

واليوم، حين يُتخذ القرار بتعيين خلود السقّاف رئيساً لمجلس إدارة شركة الأسواق الحرة الأردنية، لا يبدو الأمر مكافأة، بل هو استعادة للشكل الصحيح الذي يوضع فيه الحجر المناسب في مكانه المناسب. إنه قرارٌ حكيم، لأن المؤسسات التي تبحث عن هويةٍ تُشبه المستقبل، لا تحتاج إلى مزيد من المقاعد بل إلى مزيد من النماذج، والنموذج يُصنعُ من السلوك، من الحسّ الأخلاقي، من تلك الروح التي ترى في المنصب مسؤولية لا امتيازاً.

لقد كانت خلود السقّاف، في كل ما فعلته، تجسيداً لما يمكن أن نسميه شرف الخدمة العامة؛ ذلك الشرف الذي فقدناه في تفاصيل كثيرة: في الوعود المؤجّلة، في الاتصالات التي لا تُعاد، وفي الشكاوى التي تختفي كأنها لم تُكتب. كانت حضوراً يذكّر بأن المسؤول ليس موظفاً كبيراً، بل هو قلبٌ كبيرٌ يلتقط آهات الناس قبل أن تصل إليه عبر التقارير.

إن ما نريده من مؤسسات الدولة ليس مجرّد موظفين يديرون دوامهم، بل مسؤولين يعرفون أن موقعهم جزء من عقيدة الدولة لا من امتيازاتها؛ مسؤولين يُصغون قبل أن يتكلموا، ويتحرّكون قبل أن يُطلب منهم، ويمدّون أيديهم إلى الحلّ لا إلى التبرير.

وهذا بالضبط ما تفعله السقّاف: تجعلنا نرى أن التغيير لا يبدأ بخطط كبرى، بل بنبرة من الإخلاص، وجرعة من الإنسانية، وسرعة في الفعل تُعيد للمواطن ثقته بأن الدولة ليست كياناً بعيداً، بل كتفاً يقف إلى جواره.

إن تعيين خلود السقّاف اليوم ليس خبراً عابراً، بل رسالة تقول إن الأردن، حين يريد، يعرف كيف يختار قياداته، ويعرف كيف يضع النموذج الصحيح أمام أعين الجميع.

ونحن، في هذا المنعطف الدقيق، بحاجة ماسّة إلى مثل هذه النماذج التي تُعيد ترتيب العلاقة بين المواطن والدولة على أساس من الاحترام المتبادل والتضامن الفعلي.

لقد أثبتت الوزيرة السابقة أن المسؤولية ليست خطاباً ولا واجهة، بل هي موقف أخلاقي قبل أن تكون موقعاً إدارياً. ولهذا، فإن حضورها في أي مؤسسة ليس إضافة عددية، بل إضافة قيمية، من تلك التي تُحدث فرقاً حقيقياً لا يُرى في البيانات فقط، بل في راحة مواطن، وفي رضى مستثمر، وفي احترام دولة لنفسها.

إنها خلود السقّاف.. واحدة من الأصوات النظيفة التي تُذكّرنا أن الوظيفة العامة، حين تُدار بضمير، تتحول من منصبٍ رسمي إلى قيمة أخلاقية تُضيء المكان.




مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى