"غزو إسلامي لتكساس" .. ما حقيقة مقطع فيديو انتشر بالتزامن مع الانتخابات الأمريكية؟

التاج الإخباري -

بالتزامن مع الانتخابات النصفية الأمريكية، انتشر على منصات التواصل الاجتماعي مقطع فيديو زُعم أنه التُقط حديثا في ولاية تكساس، ويظهر ما وصفه ناشروه بـ"غزو إسلامي" للولاية.

ويُظهر المقطع حشدا من النساء يرتدين الأسود في أحد شوارع مدينة هيوستن، كبرى مدن تكساس، وهي ولاية حافظت على صبغتها الجمهورية في مناصبها العليا منذ تسعينيات القرن الماضي.

وجاء انتشار المقطع في توقيت حساس، إذ قدمته حسابات بوصفه دليلا على "اجتياح إسلامي" و"سيطرة على هيوستن"، تزامنا مع تحقيق الديمقراطيين مكاسب غير مسبوقة في ولايات تعد معاقل تقليدية للحزب الجمهوري.

من نشر المقطع؟
بدأت القصة حين نشر حساب باسم (Ryan Fournier) المقطع على فيسبوك مع ادعاء زعم فيه قائلا: "هذه ليست بغداد أو منطقة حرب.. هذه مدينة هيوستن بولاية تكساس"، معتبرا أن ما يظهره الفيديو ناجم عن "سياسات التهاون مع الجريمة والحدود المفتوحة التي دمّرت المدن بالكامل".

كما وجه دعوة تحريضية للجمهور بقوله: "صوّتوا وكأن حياتكم تعتمد على ذلك في نوفمبر القادم، لأنها تعتمد عليه حرفيا"، في محاولة لاستغلال المشهد وربطه بالملفات الانتخابية.

كما نشر المغني الأمريكي شون فويخت (Sean Feucht) المقطع على حسابه في فيسبوك بتاريخ 28 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، مرفقا بعبارة "هذا وسط مدينة هيوستن بولاية تكساس اليوم".

ودعا في منشوره إلى "استعادة هذه المدينة والولاية بأكملها" عبر العبادة والصلاة والتصويت، ثم الانضمام إلى فعالية للعبادة تقام في هيوستن ليلة رأس السنة، ليحقق مئات آلاف المشاهدات.

بعد ذلك، أعادت حسابات أخرى تداول المقطع مرفقا بعبارات تحريضية وتحذيرية، إذ ربط بعضها المشهد مباشرة بنتيجة الانتخابات.

فكتب أحد المعلقين أن ما يظهر في الفيديو هو ما يريده الديمقراطيون لعموم أمريكا، ودعا إلى التصويت للجمهوريين في مختلف صناديق الاقتراع لوقف ما وصفه بـ"الاستيلاء الإسلامي".

وقال آخر إن تكساس "تحولت إلى الأزرق قبل أن تتحول إلى الأخضر"، في إشارة إلى اللون الرمزي للإسلام، بينما زعم ثالث أن الولاية "اجتاحها المسلمون وانتهى الأمر".

وذهبت منشورات أخرى إلى مقارنة المشهد بدول إسلامية، فأكدت إحداها أن المكان "ليس باكستان بل هيوستن"، وقالت أخرى إنه "ليس العراق"، في محاولة لإضفاء طابع الخطر والغرابة على المقطع، قبل أن تدعو إلى التصويت "كأن حياتكم بأكملها تعتمد عليه"، في رسالة للأمريكيين.

ما حقيقة المقطع؟
تحققت وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة من المقطع وتبين أنه مضلل وأن حسابات أعادت تداوله بالتزامن مع الانتخابات واستغلته سياسيا.

وتظهر اللقطات في الواقع موكبا دينيا سنويا ينظمه مسلمون من الطائفة الشيعية في شوارع وسط هيوستن إحياء لذكرى عاشوراء، وهي مسيرة مرخصة تجري بمرافقة الشرطة المحلية لتنظيم حركة المرور.

كيف تحققنا؟
عبر تحليل المعالم البصرية في المقطع، حددت وحدة المصادر المفتوحة موقع التصوير أمام برج "توتال إنرجيز" في 1100 شارع لويزيانا بوسط هيوستن.

وتطابقت هذه المعالم مع صور تعود إلى مارس/آذار 2026 منشورة على خدمة "التجول الافتراضي" في خرائط غوغل.

وكشف البحث العكسي أن المقطع نفسه أعيد تداوله في 24 يونيو/حزيران 2026 مرفقا بادعاء أنه "التقط وسط مدينة هيوستن الإسلامية"، وحصد حينها قرابة 6 ملايين مشاهدة، مما يؤكد أن الرواية قديمة وأعيد ترويجها بالتزامن مع الانتخابات.

كما رصدنا لقطات من الفعالية نفسها منشورة على منصة تيك توك في يونيو/حزيران 2026، أي قبل أشهر من الاقتراع.

وتتطابق العناصر البصرية في المقطعين، من حيث المباني وشكل الشعارات المرفوعة، مما يشير إلى أنهما التقطا من فعالية واحدة، كما تظهر اللقطات أن حركة المرور في الطريق تسير بشكل طبيعي إلى جانب المسيرة.

كما رصدنا لقطات مشابهة في الفترة الزمنية ذاتها على إنستغرام وفيسبوك، ولكن بمشاركة رجال، مما يؤكد أنها فعالية دينية ولا علاقة لها بالانتخابات، وهو ما تؤكده الشعارات المرفوعة في الفعالية، إذ تخلو من أي مطالب سياسية.

وبالبحث عن الفعالية بكلمات مفتاحية على منصات التواصل الاجتماعي، تبين أنها تُقام في الفترة نفسها من كل عام وفي المكان نفسه.

ويُلاحظ أن فعاليات الجهة المنظمة تشهد عادة حضورا للشرطة، مما يشير إلى أنها مرخصة ومعروفة وتسمح بها السلطات سنويا.

وبذلك يكشف التحقق أن المقطع قديم وسُحب من سياقه الأصلي، وأُعيد تقديمه على أنه حدث راهن لربط التحول السياسي في الولاية بخطاب الخوف من المسلمين، وتصوير نتيجة التصويت على أنها تمهيد لـ"سيطرة إسلامية"، رغم أن ما يظهر فيه مسيرة دينية تقام سنويا في المدينة.

توظيف سياسي مع نتائج الانتخابات
وجاء تداول المقطع في وقت شهدت فيه الانتخابات إحدى أبرز مفاجآتها في تكساس، إذ تخلت الولاية عن صبغتها الجمهورية في مناصبها العليا بفوز المرشحة الديمقراطية جينا هينوهوسا بمنصب الحاكم، متغلبة على الحاكم الحالي غريغ آبوت.

وبهذا الفوز، تصبح هينوهوسا أول امرأة من أصول لاتينية تتولى المنصب في تاريخ الولاية، وأول حاكم ديمقراطي لتكساس منذ 36 عاما، منهية مساعي آبوت للفوز بولاية رابعة منذ توليه المنصب عام 2015.

وتكتسب النتيجة دلالة سياسية كبرى، فتكساس التي صوّتت لدونالد ترمب بفارق 14 نقطة في انتخابات 2024 لم تنتخب عضوا ديمقراطيا لمجلس الشيوخ منذ عام 1988.

وتمثل خسارة باكستون، الذي حظي بدعم مباشر من ترمب، مؤشرا على تراجع تأثير الدعم الرئاسي كضمانة مطلقة لحسم المعارك الانتخابية في الولايات المحسوبة على الحزب.

ولم تقتصر التراجعات الجمهورية على تكساس، بل امتدت إلى ولايات أخرى ذات إرث جمهوري راسخ. ففي كانساس، خسر الجمهوريون مقاعد مجلس الشيوخ للمرة الأولى منذ عام 1932، أي قبل 94 عاما.

وعلى المستوى الوطني، سيطر الديمقراطيون على مجلسي الكونغرس في انتخابات التجديد النصفي، محققين أغلبية مجلس النواب بـ240 مقعدا مقابل 147 للجمهوريين مع تواصل الفرز، وأغلبية مجلس الشيوخ بـ54 مقعدا مقابل 44 من أصل 100 مقعد.

الجزيرة


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى