من الطلاب إلى العمال .. غضب واسع يستنفر 70 ألف شرطي في فرنسا

التاج الإخباري -

تستعد فرنسا اليوم الخميس ليوم إضراب وطني واسع، يحاول للمرة الأولى جمع موجة الاحتجاج الطلابي التي بدأت في المدارس الثانوية مع قوة النقابات العمالية وموظفي القطاع العام والمتقاعدين و"السترات الصفراء". 

ومع دعوة النقابات إلى نحو 250 تجمعًا في أنحاء البلاد، تتحول احتجاجات بدأت بمطالب الشباب إلى اختبار سياسي لحكومة سيباستيان لوكورنو، في وقت تتسع فيه الشكوى من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار ومشروع موازنة تقشفية.

في المقابل، ترد الحكومة بانتشار 70 ألف شرطي ودركي، وبقيود على مسارات المسيرات خشية تحول الغضب الاجتماعي إلى اضطرابات.

من احتجاجات الشباب إلى إضراب وطني
نشأت الحركة الحالية من احتجاجات طلاب المدارس الثانوية، قبل أن تنضم إليها الجامعات والنقابات.

ووفق "يورونيوز"، تدعو النقابات العمالية، وفي مقدمتها الكونفدرالية الديمقراطية للعمل (CFDT) والاتحاد العام للعمل (CGT)، إلى الإضراب إلى جانب الاتحاد الوطني للتعليم (FSU)و (UNSA)، وهما من أبرز التنظيمات النقابية في قطاع التعليم.

وتتمحور المطالب حول رفع الأجور، ودعم الشباب، والدفاع عن الخدمات العامة، وتحسين القدرة الشرائية.

كما تطالب النقابات برفع الحد الأدنى للأجور، وزيادة عامة في الأجور، وعدالة ضريبية أكبر، وحماية المدارس والمستشفيات والمرافق العمومية من التقليصات.

وقالت ماريليز ليون، الأمينة العامة لـ (CFDT)، إن المؤشرات الأولية توحي بتعبئة يمكن أن تقترب من مستوى التحركات الكبيرة التي شهدتها فرنسا خلال احتجاجات إصلاح التقاعد عام 2023.

أما صوفي بينيه، زعيمة (CGT) فدعت المواطنين إلى المشاركة بكثافة من أجل إجبار الحكومة على أخذ المطالب الاجتماعية في الاعتبار.

وتتوقع السلطات مشاركة ما بين 500 ألف و700 ألف شخص خارج باريس، وما بين 40 ألفًا و80 ألفًا في العاصمة، بينما تتحدث النقابات عن تعبئة تاريخية.

وهذه التقديرات لا تعكس خلافًا رقميًا فحسب، بل تكشف صراعًا مبكرًا على تفسير اليوم: هل هو إضراب نقابي تقليدي، أم بداية تحالف اجتماعي أوسع يضم الطلاب والعمال والفئات المتضررة من الغلاء؟

مطالب الأجور في مواجهة موازنة التقشف
تأتي التعبئة في ظل غضب من تراجع الدخل وارتفاع كلفة المعيشة. وأشارت صحيفة "لا بروفانس" إلى أن نصف الفرنسيين تقريبًا يقولون إنهم يواجهون صعوبة في تدبير نفقات أسرهم، وفق مقياس نشرته منظمات مشاركة في "ميثاق القدرة على العيش"، من بينها (CFDT).

وتطالب النقابات بمنح زيادة حقيقية للحد الأدنى للأجور، الذي تقول إن زيادة استثنائية لم تطله منذ عام 2012، إلى جانب رفع رواتب العاملين في القطاعين العام والخاص.

وقال فريديريك سويّو، المسؤول في نقابة القوة العمالية (FO) لصحيفة "لو باريزيان" إن الحكومة مطالبة بالإسراع في رفع الحد الأدنى للأجور وفتح مفاوضات عاجلة بشأن الرواتب، ملمحًا إلى تنظيم تحركات جديدة وربما إضراب قابل للتمديد.

وتتقاطع هذه المطالب مع الاعتراض على مشروع موازنة 2027، الذي تخشى النقابات أن يحمّل الأسر والموظفين كلفة خفض العجز.

لذلك اختارت النقابات في باريس مسارًا يمر قرب مؤسسات السلطة، من ساحة الباستيل إلى ساحة الكونكورد، حيث تقع الجمعية الوطنية وتدور مناقشات الموازنة، في محاولة لتحويل الاحتجاج من ملف اجتماعي إلى ضغط مباشر على القرار السياسي.

معركة المسارات وحق التظاهر
رفضت محافظة الشرطة في باريس المسار الأصلي، معتبرة أن المرور قرب مراكز السلطة ينطوي على مخاطر اضطراب النظام العام، واقترحت مسارًا بديلًا بين ساحة الجمهورية وساحة الأمة.

كما حظرت تجمعًا قرب قصر الإليزيه. ووفق "لو موند"، رفض القضاء الإداري طعن النقابات في قرار المنع، بعدما اعتبر أن المسار البديل يوفر إمكانية ممارسة حق التظاهر.

وتحولت قضية المسار إلى جزء من مطالب المحتجين، بعدما اعتبرت النقابات أن القيود المتكررة على الوصول إلى مراكز المدن والسلطة تنتقص من الحق في التظاهر.

وتزداد حساسية المسألة بعد أعمال العنف التي رافقت احتجاجات 17 أكتوبر، والتي تستخدمها السلطات لتبرير تشديد الإجراءات الأمنية.

وفي مدن أخرى، اتخذت السلطات إجراءات مماثلة، فقد حظرت محافظة الرون مظاهرات في أجزاء واسعة من وسط ليون، فيما ينتظر أن تتأثر حركة القطارات والحافلات والمترو والموانئ، مع إضرابات في قطاعات السكك الحديدية والنقل الجوي والمدارس.

كما حذرت السلطات من احتمال ظهور "مسيرات عفوية" خارج المسارات المعلنة.

70 ألف شرطي.. بين الردع ومنع الانفلات
أعلن وزير الداخلية لوران نونيز أن الخطة الأمنية ستكون "مطابقة تمامًا" لتلك التي نُفذت في 31 أكتوبر، مع نشر 70 ألف شرطي ودركي في أنحاء فرنسا، إلى جانب وحدات متخصصة مثل (RAID) و(GIGN) و(BRI)

وقال نونيز إن قوات الأمن سترد "بأقصى درجات الحزم" على أي أعمال تخريب أو تجاوزات.

ويعكس هذا الانتشار خشية السلطات من أن يؤدي تداخل المسيرات النقابية مع تحركات الطلاب و"السترات الصفراء" إلى تشكيل تجمعات غير منضبطة، خصوصًا في المدن الكبرى.

لكن ارتفاع الحضور الأمني قد يتحول بدوره إلى عامل توتر. فالمحتجون لا يواجهون فقط أسعارًا مرتفعة وأجورًا متراجعة، بل يشعرون أيضًا بأن المجال المتاح للاحتجاج يتقلص.

ومن ثم، فإن نجاح اليوم لن يقاس بعدد المشاركين وحده، بل بقدرة النقابات والحكومة على منع تحول معركة المسارات إلى مواجهة جديدة حول شرعية التظاهر.

اختبار لتماسك الحركة الاجتماعية
حتى الآن، لا تزال التحركات تجمع أطرافًا مختلفة أكثر مما تشكل جبهة سياسية موحدة.

فالطلاب لا يملكون بالضرورة المطالب نفسها التي يرفعها موظفو النقل، و"السترات الصفراء" لا تتحرك دائمًا تحت المظلة النقابية.

لكن القاسم المشترك بينها هو الإحساس بأن الحكومة لا تقدم حلولًا فورية لمشكلة الغلاء وتراجع الخدمات وفرص الشباب.

ولهذا قد يكون إضراب 5 نوفمبر/تشرين الثاني نقطة تحول إذا نجحت النقابات في الحفاظ على وحدة المشاركين بعد انتهاء المسيرات.

أما إذا بقيت التعبئة موزعة بين مطالب مهنية واحتجاجات شبابية وتحركات مستقلة، فقد تتمكن الحكومة من احتواء كل ملف على حدة. 

وبين الاحتمالين، تقف فرنسا أمام يوم احتجاجي يكشف ما إذا كان غضب الشارع قد تحول إلى قوة اجتماعية مشتركة، أم أنه لا يزال سلسلة من موجات متفرقة.



مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى