الزبن يكتب: رغد… حين يُنسى العطاء وتُحاكَم الفرحة
التاج الإخباري -
بقلم: د. طلال الزبنلم ألتقِ رغد المحارب يوماً، ولا تربطني بها معرفة شخصية، وأكتب عنها بعيداً عن أي اعتبار عائلي أو علاقة خاصة، لكن الإنصاف لا يحتاج إلى معرفة سابقة، ولا تنتظر صداقة تدافع عنها، وما يدفعني إلى الكتابة هو هذا الاختلال في الميزان: أن تستحوذ تفاصيل حفلة على كل هذا الاهتمام، فيما تُدفع سنوات العمل والعطاء إلى خارج الصورة.
الدكتورة رغد شخصية اقتصادية وتجارية وازنة، شقّت طريقها في القطاع الخاص بجهدها ومثابرتها، وبنت مشروعاً تجاوز حدود الأردن، وأسهم في حمل اسم بلدها ومنتجاته إلى الأسواق العالمية، وحين يصل منتج أردني إلى مستهلك خارج الوطن، فإن وراء ذلك عملاً يستحق التقدير، وتجربة تستحق أن تُروى، ومن حق امرأة صنعت هذا الحضور أن تُقرأ مسيرتها بما أنجزته، وأن يبقى لنجاحها مكان في ذاكرة الناس.
وقد جاء اختيارها ضمن قائمة «أفضل 100 امرأة قائدة في الشرق الأوسط» لعام 2026 تقديراً لحضورها في ريادة الأعمال؛ وهو إنجاز نفخر به لامرأة أردنية استطاعت أن تمنح طموحها امتداداً خارج حدود وطنها، فكيف يحضر اسمها بكل هذه القوة عند تداول مقطع من احتفال، ثم يغيب ما اقترن به من عمل وإنجاز وتقدير؟
ولنجاحها ايضاً وجه إنساني يستحق الحضور أيضاً، من دعم الفقراء والمحتاجين، إلى مساندة أهل غزة والاستمرار في دعمهم، ودعم طلبة الجامعات، والمساهمة في تفريج كرب الغارمات، والاستجابة لحالات اجتماعية وإنسانية داخل الأردن،تلك أعمال يتصل أثرها بحياة الناس واحتياجاتهم، ومن العدل أن تُمنح من الاهتمام ما نمنحه لصور المناسبات وتفاصيلها.
وخلال جائحة كورونا، لن ننسى مبادرتها بتخصيص مصنعها لإنتاج معقمات الأيدي وتوزيعها لمساعدة ذوي الدخل المحدود،وفي ظرف احتاج فيه الناس إلى من يقف معهم، كان لها موقف عملي في المساعدة،ومثل هذه المواقف لا ينبغي أن تسقط من الذاكرة لمجرد أن صاحبتها أقامت حفلاً اختار البعض أن يختلف مع شكله أو حجمه.
الغريب بالأمر انه لو وُجّهت الكاميرات إلى كثير من حفلات الأعراس والخطوبة وأعياد الميلاد التي يقيمها المنتقدون ، لوجدنا غناءً وفرحاً وصخباً قد يفوق ما أثار الاعتراض في حفل رغد، ولكن الفارق أن مناسبة الشخصية المعروفة تنتقل من نطاق الحضور إلى شاشات الآلاف،وهنا يصبح السؤال عن عدالة الميزان مشروعاً: لماذا يتحول ما نراه مألوفاً في مناسبات الاخرين إلى سبب للتجريح حين يظهر في مناسبة لشخصية مشهورة؟
وبغض النظر عن أسماء الفنانين المشاركين، يظل الغناء والتفاعل والفرح أمراً مألوفاً في المناسبات الاجتماعية، ويظل الاختلاف في الذوق أو تقدير حجم الاحتفال أمراً يمكن التعبير عنه باحترام،مع العلم انني كشخص اختلف مع كل ما اسمه عيد ميلاد ولا اطبق ذلك في حياتي الخاصة ولكن لا انكره على الآخرين .
ولأن رغد شخصية عامة يجعل تجربتها موضع اهتمام، لكنه لا يجعل حياتها الشخصية ملكاً للجمهور، ولا يسقط حقها في الفرح وان اختلفنا معه بالشكل لأن كرامة الناس محفوظة أصلاً، مهما كان حجم عطائهم، أما حين نتناول مسيرتهم، فمن واجب الإنصاف أن نحفظ لكل عمل قدره، وأن نتجنب الأحكام التي تمحو كل شيء بسبب مناسبة واحدة.
يمكن للإنسان أن يمد يده إلى محتاج، وأن يحتفل بيوم ميلاده؛ فلا تعارض بين الأمرين، ولا يُطلب ممن يساعد الآخرين أن يتخلى عن أفراحه حتى يثبت صدق عطائه، والأجدى بمن ينشغل بمعاناة المحتاجين أن يشجع المبادرات التي تخففها، وأن يمنحها مساحة في الحديث والاهتمام اكثر من انتقاده لحفلة عيد ميلاد.
تبقى قيمة الإنسان في الأثر الذي يتركه، في باب خير فتحه، وفي كرب خفّفه، وفي نجاح حمل به اسم وطنه إلى العالم، وهذه صفحات في مسيرة الدكتورة رغد تستحق أن تُقرأ وأن تُحفظ، فمن الإنصاف أن نتذكّر، ونحن ننظر إلى فرحتها، كم أسهمت هي في صناعة الفرح للآخرين
الرجاء الانتظار ...