النعيمي يكتب: اقتصاد الانتباه .. المعركة على الشرق الأوسط تبدأ من العقول

بقلم: منيزل أحمد النعيمي


لم تعد الجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط تُرسم بالصواريخ وحدها، ولم تعد موازين القوى تُحسم على خطوط التماس فقط؛ فثمة معركة موازية تدور على عقول الشعوب، وعلى قدرتها في فهم ما يجري، وتحديد من يملك المبادرة ومن يدفع ثمن التحولات، إنها معركة اقتصاد الانتباه، حيث لم يعد النفوذ مقتصراً على السيطرة على الأرض، بل امتد إلى السيطرة على الرواية التي تفسّر ما يحدث فوقها.


في إقليم تتشابك فيه حرب غزة، والتوترات الإيرانية الإسرائيلية، وحسابات القوى الدولية، وأمن الممرات البحرية، لا تُستخدم المعلومات لنقل الوقائع فحسب، بل أصبحت أداة في إدارة الصراع، فكل طرف يسعى إلى فرض روايته، وتحديد صورة خصمه، وتوجيه الغضب الشعبي، وتعبئة الحلفاء، وإرباك الحسابات الاستراتيجية للآخرين، وهنا، قد تحقق رواية إعلامية ما تعجز عنه جولة من المواجهة العسكرية، إذا نجحت في تغيير حسابات الخصم أو تقويض شرعيته أو التأثير في خيارات حلفائه.


لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في كثافة المعلومات، بل في القدرة على إغراق المنطقة بالتفاصيل، حتى تفقد المجتمعات قدرتها على رؤية الصورة الاستراتيجية الكبرى، فعندما يتحول كل حدث إلى معركة منفصلة، وكل تصريح إلى أزمة، وكل خلاف إلى استقطاب، يصبح الإقليم أسيراً لردود الفعل، فيما تُصنع التحولات الكبرى بعيداً عن ضجيج المنصات.


بالنسبة إلى الأردن، ليست هذه المسألة ترفاً فكرياً أو نقاشاً إعلامياً عابراً؛ إنها جزء من الأمن الوطني، فالأردن يقف في قلب جغرافيا مضطربة، تتقاطع فيها القضية الفلسطينية، وأمن الحدود، وتداعيات الصراعات الإقليمية، ومصالح القوى الدولية، وأي اختلال في فهم هذه البيئة قد ينعكس على تقدير المخاطر، وعلى النقاش العام بشأن الخيارات الاستراتيجية للدولة.


المعضلة الأردنية ليست في نقص الأصوات، بل في ضرورة التمييز بين الضجيج الذي يستهلك الانتباه، والمعلومات التي تساعد على فهم التهديد، والتحليل الذي يحدد المصلحة الوطنية، فالدولة التي لا تحمي مجالها العام من التضليل والاستقطاب تخاطر بأن تُستنزف سياسياً وإعلامياً، حتى قبل أن تواجه التحديات على الأرض.
وفي الشرق الأوسط الجديد، لا يكفي أن تمتلك الدولة جيشاً قوياً ودبلوماسية نشطة وموقعاً جغرافياً حساساً؛ بل تحتاج أيضاً إلى مجتمع قادر على قراءة التحولات، وإعلام يميز بين الخبر والدعاية، ونقاش سياسي لا يسمح للانفعال بأن يحل محل الاستراتيجية.
إن اقتصاد الانتباه ليس مجرد تجارة بالمشاهدات، بل ساحة من ساحات الصراع على النفوذ والقرار، وفي إقليم تُعاد فيه صياغة موازين القوى، قد تكون أخطر الهزائم أن تنشغل الشعوب بمعارك الروايات، بينما تُحسم مصالحها في معارك الجغرافيا والاستراتيجية.




مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى