تقليد عمره طويل .. ما قصة "مراسم الدخان" التي شهدها الملك في أستراليا؟

التاج الإخباري -

حنين زبيده ْ

شهد جلالة الملك عبدالله الثاني، الأربعاء، خلال جولته في أستراليا، "مراسم الدخان"، وفق ما نشره الديوان الملكي الهاشمي عبر صفحاته على منصات التواصل الاجتماعي، في تقليد عريق لدى السكان الأصليين، يحمل دلالات ثقافية وروحية، ويشكل جزءا من مراسم الاستقبال الرسمية في البلاد.

وتعد مراسم الدخان طقسا ثقافيا وروحيا لدى الأبورجينال وسكان جزر مضيق توريس، يقوم على حرق نباتات محلية لإنتاج دخان كثيف، يمر الحاضرون عبره أو يتعرضون له، بهدف التطهير والترحيب والحماية.

كيف تقام مراسم الدخان؟

يشرف على المراسم ممثلون عن السكان الأصليين، يتقدمهم شيخ أو "مالك تقليدي" للأرض، إذ لا يمكن لأي شخص إقامة هذا الطقس دون الصلة الثقافية والصلاحية اللازمة.

وتجرى المراسم عادة بإشعال نار صغيرة في حفرة أو وعاء، وأحيانا في وعاء خشبي تقليدي يسمى "كولامون"، وتضاف إليها أوراق خضراء طازجة لإنتاج دخان كثيف بدلا من لهب كبير.

وتستخدم في المراسم نباتات محلية، مثل الكافور (الأوكاليبتوس) أو شجيرة الإيمو، إلى جانب أنواع أخرى مثل شجر الشاي (Melaleuca)، فيما تجمع النباتات من أرض المكان نفسها، بما يتوافق مع الأعراف والتقاليد المحلية، وتختلف الأنواع المستخدمة من منطقة إلى أخرى.

ويدعى الضيوف إلى المشي عبر الدخان أو الوقوف فيه، أو تمرير الدخان على أجسادهم باليدين، بينما يتلو المشرف كلمات ترحيب، أحيانا بلغة مجتمعه. وغالبا ما تقترن المراسم بـ"الترحيب بالأرض" أو تسبقه، وقد ترافقها رقصات وأغان وآلات تقليدية، قبل إطفاء النار.

ماذا تعني مراسم الدخان؟

يحمل الدخان دلالات روحية لدى مجتمعات السكان الأصليين، إذ يعتقد أن تصاعده يطرد الأرواح السلبية أو الطاقة السيئة عن المكان والقادمين إليه، ويقدم الزائر إلى الأرض وإلى أرواح الأجداد، وكأنه يطلب لهم الإذن بالوجود فيها والحماية.

ولا تقتصر المراسم على استقبال الضيوف، بل تمثل أيضا إقرارا رمزيا بأن للأرض أصحابها التقليديين، وأنهم يرتبطون بها بعلاقة روحية متوارثة عبر الأجيال.

وتستخدم مراسم الدخان في مناسبات متعددة، منها الولادة لحماية الأم والمولود، والحداد لتطهير بيت المتوفى، إلى جانب مراسم الشفاء والعبور من مرحلة إلى أخرى.

تقليد متوارث عبر الأجيال

يعود هذا التقليد إلى عمق الثقافة الأسترالية الأصلية، التي تعد من أقدم الثقافات المستمرة في العالم، فيما تشير الأدلة الأثرية، ومنها المكتشفات في موقع ماجدبيبي شمال أستراليا، إلى وجود البشر في القارة قبل نحو 60 ألف سنة أو أكثر.

وانتقل الطقس شفهيا عبر الأجيال، إذ لا توجد نصوص مكتوبة قديمة توثق نشأته، وتعتمد معرفة تاريخه على التراث الشفوي، ومشاهدات الباحثين والمستكشفين اللاحقين، وما ترويه المجتمعات الأصلية عن تقاليدها.

أما الشكل الرسمي الحديث لمراسم الترحيب بالأرض، فقد ظهر في سبعينيات القرن العشرين، وارتبط بأسماء من بينها ريتشارد والي وإرني دينغو، قبل أن تدخل هذه المراسم، ومنها مراسم الدخان، في البروتوكول الرسمي للدولة.

من الترحيب بالضيف إلى المصالحة مع السكان الأصليين

تتجاوز دلالات المراسم بعدها الاحتفالي، إذ يمثل الدخان حدا فاصلا، فيما يشبه المرور عبره انتقال الضيف من خارج المكان إلى داخله، ومن شخص غريب إلى ضيف مرحب به.

كما أن استخدام نباتات من الأرض نفسها يربط الطقس بالمكان وبالأجداد، فيما تعني مشاركة الضيف فيه قبوله ببروتوكول أصحاب الأرض التقليديين.

ومع مرور الوقت، أصبحت هذه المراسم جزءا من محاولات المصالحة مع السكان الأصليين، من خلال الاعتراف بثقافتهم وتقاليدهم وإبراز حضورهم في الحياة العامة.

وتعد إقامة مراسم الدخان عند استقبال كبار الشخصيات ورؤساء الدول، وكذلك المواطنين الجدد، من التقاليد الراسخة في مقر الحاكم العام والمناسبات الرسمية في أستراليا، كما تقام في افتتاح البرلمان وحفلات منح الجنسية وفعاليات الحكومة.

"مراسم الدخان".. تقليد غير موحد بين المجتمعات الأصلية

لا تقام مراسم الدخان بصيغة واحدة في جميع أنحاء أستراليا، إذ تضم البلاد أكثر من 250 مجموعة لغوية وثقافية، لكل منها تقاليدها وأعرافها المرتبطة بالأرض التي تنتمي إليها.

وبينما تحافظ بعض المجتمعات على أشكال تقليدية من الطقس، تعد بعض صيغ المراسم الحضرية حديثة أو محياة، بما يتناسب مع السياقات المعاصرة، دون أن يعني ذلك أن جميع المجتمعات تمارسها بالطريقة نفسها.

ويختلف كذلك مضمون الطقس وتفاصيله بحسب المجتمع الذي يقيمه، وهو ما يجعل فهمه مرتبطا بمعرفة التقاليد المحلية، لا بالاكتفاء بتفسير موحد لجميع السكان الأصليين.

هل للدخان تأثير علمي؟

على الصعيد العلمي، لا تزال المسألة موضع بحث، إذ أشارت بعض الدراسات المتعلقة بالدخان الناتج عن نباتات طبية، وأجري أشهرها على نباتات هندية، إلى احتمال مساهمته في تقليل بعض البكتيريا الموجودة في الهواء، لكن لا توجد دراسة حاسمة مخصصة لمراسم الدخان الأسترالية نفسها.

وفي المقابل، يعرف علماء النبات أن دخان النباتات الأسترالية يحفز إنبات بذور كثيرة، وهي ظاهرة ترتبط بالمعرفة التقليدية بالنار لدى السكان الأصليين، وبالعلاقة المتوارثة بين المجتمعات وبيئتها الطبيعية.

ما الفرق بين "الترحيب بالأرض" و"الإقرار بالأرض"؟

يفرق بين "الترحيب بالأرض"، الذي لا يقدمه إلا أصحاب الأرض التقليديون أو من يفوضونهم، و"الإقرار بالأرض"، الذي يمكن لأي شخص القيام به تعبيرا عن الاعتراف بأصحاب الأرض التقليديين واحترامهم.

وقد تكون مراسم الدخان جزءا من الترحيب بالأرض، لكنها ليست شرطا لازما في كل مراسم ترحيب، إذ تختلف الممارسات بحسب المجتمع والمناسبة.

"مراسم الدخان".. بين الاعتراف الثقافي والإجراء البروتوكولي

رغم ما تحمله مراسم الدخان من دلالات ثقافية وروحية، يثير استخدامها في المناسبات الرسمية نقاشا بشأن تحولها أحيانا إلى إجراء شكلي أو بروتوكولي لا يعكس التزاما حقيقيا بقضايا السكان الأصليين، في حين يراها آخرون وسيلة مهمة للاعتراف بثقافتهم وإظهار الاحترام لهم.

وتشبه المراسم، من حيث الفكرة العامة، ممارسات أخرى مثل استخدام البخور والعود في عدد من الثقافات العربية، و"التدخين الطقسي" لدى بعض شعوب أمريكا الشمالية الأصلية، إلا أن لكل منها سياقه الروحي وأعرافه الخاصة، ولا يمكن اعتبارها ممارسات متطابقة.




مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى