القاضي تكتب: في وداع وفي لقاء فوزية الزعبي
التاج الإخباري -
بقلم: عرين القاضيكان يوم عاصف ، وفي أحد محطات الحياة ، تتوقف سيدة، وكانها خرجت من مجلة باريسية قديمة، بمعطفها الفرو، وشعرها المصفف الأنيق، ولونها الذهبي الذي يشبه ليرة انجليزية ذهبية لا تقتنيها إلا بالتوارث ، وطريقتها المهذبة بالكلام مع من هم حولها، تحمل حقيبة جلدية كبيرة، تخبرني انها ستذهب الى بيت أهلها ، في اربد ، وهو واحد من اقدم البيوت التي بُنيت في شارع الهاشمي ، بيت السيد عبدالكريم الزعبي، تعود هذه السيدة لتلتقي بالأحبة،
ويبدأ الحديث وفوزية الزعبي سيدة تعرف كيف تبدأ في الكلام ، فهي تبدأ بقصة وتنتهي بعبرة، وما بين السطور هنالك دعابة ، لأن بداخل هذه السيدة الكريمة نهر من الفكاهه المبطنة بحزن عميق ، كيف لا وهي أرملة المرحوم النائب خالد نواش ابو دلبوح بني حسن ، التي ترملت في عمر الزهور، وربت في ذلك الوقت ثُلة من الابناء ، الذين تميزوا في كل المحافل ، وأذكر هنا ابنها الدكتور وليد أبو دلبوح ، الدكتور وأستاذ قسم العلاقات الدولية والدبلوماسية والدراسات الاقليمية في الجامعة الأردنية ، كما تميزت هي.
وان تدعم سيدة سيدة أخرى في هذا الزمن ، لهو أمر جميل ، وربما فيه نُدرة، علمت أم الوليد آنذاك انني أُرتب لإشهار كتابي الأول " روح" فأعجبني طرحها ، وطلبت منها ان تقرأ نسخة منه ثم تقرر اذا كانت ترغب بأن تدير الحوار مع الضيوف ، لن أجد أجمل منها، وأقوى منها .
هنا بدأت صداقة عميقة، " أم الفوز" كما أحب تسميتها ، جمعتنا الكثير من اللقاءات الخاصة ، وفي عمرها كانت تفضل صعود الادراج مشياً على الاقدام، والحديث ساعات طويلة في المقاهي الجميلة في عبدون، جميلة كما حديقة منزلها ، الورود تغطي المكان، والضيوف لا ينتهون، هي تستقبل وتودع ، وفي المحافل الاجتماعية والمناسبات السياسية، تجد فوزية الزعبي لديها مداخله تعيد ترتيب السطور، وتعيد صياغة الحوار ، فيستمع الجميع، فهي تسأل وفي سؤالها الجواب، وتلقي كلمة فكاهيه، تُبطن فيها ملخص أي قضية، ففيها روح الشباب، وعراقة الأصل .
الاقوياء دائما يهزمهم المرض ، وفي ايامها الاخيرة، اتصلت بي ليلاً واخبرتني انها امرأة ودعت حبيبها وهو شاب صغير، وهذا المرض لا يخيفها، فهي تفضل ان تعيد ترميم نفسها بنفسها، واخبرتني عن الوفاء، وان الوفاء في هذا الزمن قليل، ولكنها لا تنسى كل من شاطرها رحلة الحياة..
وتعود اليوم لتغادرنا ، بكل اناقتها المعتادة، شامخة جميلة قوية ، تشبه الأردن ، وتعتز بجذورها، وتفهم هذه الأرض، وتعرف جيداً كل شارع في عمان من أن بدأ وأين سينتهي..
فوزية الزعبي ، في يوم عزاءك الأخير، عزاء أنيق ومهيب يشبهكِ ،أقول لك ولكل من يحبك وأحبك..انتِ امرأة لن تنساها ذاكرة الوطن .
الرجاء الانتظار ...