كيف يبدو المزاج العام للأردنيين؟
التاج الإخباري -
بقلم: حسين الرواشدة.كيف يبدو المزاج العام للأردنيين؟ الأرقام - على افتراض صحتها - تضع أمامنا بعض المؤشرات: نحو نصف الأردنيين يرون الامور تسير في الاتجاه غير الصحيح، الأوضاع الاقتصادية الصعبة، بما فيها الفقر والبطالة، تثقل كاهل الأغلبية، نحو مليون ونصف أردني يعانون من الاضطرابات النفسية، ارتفاع حالات الطلاق والعنوسة في المجتمع، الأردنيون يتخوفون من السؤال عن المستقبل لأنهم لا يعرفون ما تخبئ لهم «الاقدار» السياسية.. الخ، هذه المؤشرات تضعنا أمام واقع يجب أن ننتبه إليه ونتعامل معه بوعي وشجاعة، ومسؤولية وطنية كاملة.
أربعة عناوين داخلية (دعك من الحرب في المنطقة وأخطارها) تشكل، بتقديري، قواسم مشتركة بين أغلبية الأردنيين، وتساهم في تعكير مزاجهم العام، وربما تحرك ما بداخلهم من إحساس بالحاجة والانتقاد، وتدفعهم إلى الشكوى والتذمر، ورؤية صورة بلدهم على غير حقيقتها، وتجعلهم -أحيانا كثيرة – يميلون إلى الاستغراق بالإحباط والسوداوية، أو يفكرون، لا سيما الشباب، بالهجرة، أو يهربون من مواجهة واقعهم باعتباره «كومة خراب» لا أمل فيه بالإصلاح، دون النظر لأي إنجازات مهما كانت كبيرة.
العنوان الأول: عدم وضوح فكرة «الأولوية الوطنية» لدى بعض الأردنيين، أقصد الإيمان الراسخ بأن البلد قضيتهم الأولى، وأن انتماءهم وتعلقهم به ليس مجرد حالة شعورية، وإنما وجودية وعقلية أيضا، بعض التيارات السياسية التي تسيطر على الفضاء العام وتحاول تشكيله ساهمت في انتاج هذه الحالة وترويجها، الأردنيون انطبعوا، لأسباب عديدة، على ترتيب أولويات لهم خارج إطارهم الوطني، فهم عروبيون اكثر من أن يكونوا أردنيين، لا انتقص، هنا، من الانتماء لدائرتي العروبة والدين، ولا من الالتصاق بالقضية الأبرز لديهم، وهي فلسطين، وإنما أشير إلى أن غياب المشروع الوطني كأولوية، تسبب بكثير من الانفصالات والتصدعات التي مسّت الهوية الوطنية وامتداداتها.
العنوان الثاني: تراجع منسوب العدالة، إحساس الأردنيين أنهم ليسوا مواطنين متساوين أمام موازين العدالة الوظيفية والاعتبارية، ولّد لديهم مزيجا من القهر والشعور بعدم الرضا، ثم ألجأهم لملاذات أخرى للحماية والتحصن، كما أفرز من المشكلات التي يواجهونها كالفقر والبطالة أسوأ ما فيهم، بدل أن تشكل حوافز لهم للاعتماد على انفسهم، ومواجهة هذه المشكلات بالرضا ومزيد من العمل، مثلما فعل آباؤهم وأجدادهم الذين عاشوا ظروفا أقسى من ظروفهم.
العنوان الثالث: اتساع فجوة الثقة بين الأردنيين ومؤسساتهم العامة، وفيما بينهم وبأنفسهم أيضا، غياب الثقة هذا له اسبابه المتعددة، والمتعلقة بالأداء العام للإدارة العامة، والمجتمع معا، لكن نتائجه صبّت باتجاه تعطيل ثلثي الأردنيين عن المشاركة بالعمل العام، وانطوائهم على أنفسهم، وعدم قدرتهم على إنتاج مجتمع يمتلك الحد اللازم من العافية والحيوية، عطالة المجتمع، هنا، أثرت بشكل كبير على حركة مشروعات الدولة بمساراتها السياسية والاقتصادية، وحولت الأردنيين إلى مجاميع من المتفرجين أو الغاضبين.
العنوان الرابع: تراجع كفاءة المؤسسات، أقصد هنا المؤسسات العامة، ومؤسسات المجتمع المدني. الأردنيون يفتقدون المؤسسة الفاعلة، يكفي أن ننتبه لصورة مجلس النواب مثلا، او صورة النخب والاحزاب والنقابات، في عيون المواطن لنفهم ما جرى، هذه الكفاءة المؤسسية كانت فيما مضى تمنح الأردنيين ضمانة لاعتدال حركة الدولة بالاتجاه الصحيح، وانتصاب موازين المساءلة والمحاسبة، وعدم توسع النفوذ الفردي والطبقي والمالي، على حساب القيم والمصالح العامة، لكنها الآن لا تفعل ذلك بالشكل الصحيح.
أعرف تماما أن ثمة عناوين أخرى في ذهن القارئ الكريم تجعله يعاني من افتقاد محفزات الهمة الوطنية، والأمل بوجود مستقبل أفضل، لكن استدعاء هذه النقاط الأربع، ومواجهتها بالحلول، ربما يكفي ويكون نقطة تحول في حياتنا العامة، ومزاجنا العام، ودافعاً حقيقيا لإعادة الأردنيين إلى طبيعتهم التي أسسوا عليها دولتهم قبل 100 عام. أليس كذلك؟ .
الرجاء الانتظار ...