نفاع يكتب: الكارثة ليست في الأحزاب .. بل في غياب الفهم الحزبي
التاج الإخباري -
بقلم: المهندس زيد نفاع الامين العام لحزب عزم.أخطر ما يواجه التجربة الحزبية ليس تعدد الأحزاب، ولا اختلاف برامجها، ولا حتى اختلاف ألوانها السياسية؛ بل أن يتحدث البعض عن الأحزاب وهو لا يزال عاجزًا عن فهم ما هو الحزب أصلًا.
وأستغرب، بين الحين والآخر، عندما أسمع أو أقرأ مقارنات بين ما يسمى بالأحزاب الفكرية أو العقائدية وبين الأحزاب البرامجية، وكأن الحزب أمام خيارين: إما أن يكون صاحب فكر، وإما أن يكون صاحب برنامج!
وهذا، ببساطة، خلطٌ جوهري في فهم العمل الحزبي.
والأكثر غرابة أنني أجد من يعتقد أن الحزب البرامجي هو حزب يجتمع أعضاؤه لإعداد برامج للقطاعات المختلفة، وربما الاستعانة بالحاسوب أو الذكاء الاصطناعي لإيجاد الحلول، ثم يطلق على ذلك اسم «حزب برامجي»!
إذا كان هذا هو مفهوم الحزب البرامجي، فالمشكلة ليست في الأحزاب، بل في مفهومنا عن الأحزاب.
الحزب ليس مكتبًا لإعداد البرامج، وليس شركة استشارات سياسية، وليس مجموعة من الخبراء تكتب أوراقًا قطاعية.
الحزب يبدأ بالفكرة، وينطلق من الرؤية، ويتشكل حول منظومة فكرية وسياسية، ثم يحوّل تلك المنظومة إلى سياسات وبرامج ومواقف.
وهذه هي النقطة التي يبدو أن كثيرين لا يريدون فهمها أو لم يتوقفوا عندها أصلًا.
الفكر أولًا… والبرنامج نتيجة
جميع الأحزاب في العالم تقوم على فكرة ورؤية ومرجعية سياسية وفكرية، وينتسب إليها الأشخاص لأنهم يجدون أنفسهم في تلك الرؤية، ويؤمنون بمبادئها وقناعاتها.
ومع الممارسة السياسية، تتجذر تلك الأفكار في وعي العضو الحزبي، وتتحول إلى قناعات راسخة، ثم إلى منظومة فكرية وسياسية يدافع عنها وينشرها ويسعى إلى تحويلها إلى واقع.
أما البرنامج، فهو الترجمة السياسية والتنفيذية لذلك الفكر.
ولهذا فإن البرامج لا تهبط من السماء، ولا تنتجها الحواسيب، ولا يصنعها الذكاء الاصطناعي وحده.
البرنامج هو ابن الفكر.
فإذا تغير الفكر، تغيرت السياسات.
وإذا تغير اللون السياسي، تغيرت الأولويات الاقتصادية والاجتماعية.
وإذا تغيرت المرجعية السياسية، اختلفت قراءة الدولة والاقتصاد والمجتمع والإنسان.
وهنا تحديدًا يظهر الفرق بين من يفهم الحزب ومن يكتفي بقراءة عنوانه.
لا يوجد برنامج بلا لون سياسي
جميع الأحزاب تمتلك برامج، ولكن ليس معنى ذلك أن جميع البرامج متشابهة.
فالحزب اليميني لا ينظر إلى الاقتصاد والمجتمع والدولة بالطريقة ذاتها التي ينظر بها حزب يساري.
والحزب المحافظ لا يقرأ التحولات الاجتماعية بالطريقة التي يقرأها الحزب الليبرالي التقدمي.
والحزب الذي يؤمن باقتصاد السوق لن يقدم بالضرورة السياسات الاقتصادية ذاتها التي يقدمها حزب يؤمن بتدخل الدولة الواسع.
إذن، أين يكمن الاختلاف؟
يكمن في الفكر، ثم في اللون السياسي، ثم في السياسات، ثم تأتي البرامج باعتبارها الترجمة العملية لكل ذلك.
ومن هنا، فإن اختزال الحزب في «برنامج» هو اختزال للعمل الحزبي نفسه.
والأخطر… الخلط في تصنيف الأحزاب
هناك خلط آخر لا يقل خطورة، وهو الخلط بين شكل الحزب ونوعه ولونه السياسي.
كثيرًا ما نسمع: حزب وطني، حزب وسطي، حزب جامع، حزب برامجي…
لكن هذه العبارات، مهما كانت جميلة سياسيًا، لا تجيب عن السؤال الأهم:
أين يقف هذا الحزب على الخريطة السياسية والفكرية؟
فالحديث عن «الوسط» وحده لا يكفي.
والحديث عن «الوطنية» لا يحدد لونًا سياسيًا.
والوطنية ليست حكرًا على اليمين أو اليسار.
الحزب قد يكون وطنيًا ويمينيًا، أو وطنيًا ويساريًا، أو محافظًا أو ليبراليًا، أو غير ذلك من التصنيفات السياسية المعروفة.
ولهذا فإن استخدام المصطلحات العامة لتجنب تحديد اللون السياسي لا يخدم العمل الحزبي؛ بل قد يساهم في تضليل الناخب والعضو الحزبي معًا.
يمين… يسار… وبينهما درجات لا حدود
في القراءة السياسية التقليدية، تتحرك الأحزاب على طيف اليمين واليسار، وبينهما درجات ومساحات سياسية متعددة.
من يمين الوسط إلى اليمين المحافظ، وصولًا إلى اليمين المتطرف.
وكذلك في اليسار، من اليسار المعتدل إلى اليسار الأكثر راديكالية وصولًا إلى اليسار المتطرف.
والقضية ليست في أن تكون يمينيًا أو يساريًا؛ فالاختلاف الفكري هو أصل السياسة.
الخطر يبدأ عندما يتحول الفكر إلى راديكالية، والرؤية إلى إقصاء، والقناعة إلى رفض مطلق للآخر.
فاليمين المتطرف، في بعض نماذجه، قد يصل إلى رفض الآخر على أساس الهوية، أو التعامل مع المواطنة بمنطق الإقصاء والتمييز.
واليسار المتطرف قد يصل، في بعض نماذجه، إلى ليبرالية اجتماعية تقدمية مفرطة، وإلى إعادة تعريف الدولة والمجتمع والحدود والقانون وفق منظومته الفكرية الخاصة.
وهنا يجب أن نتوقف عند شعار يتكرر كثيرًا:
«القانون هو الفيصل».
نعم، القانون هو الفيصل في الدولة.
ولكن السؤال الذي لا يريد البعض طرحه هو:
من يضع القانون؟ وعلى أي فلسفة اجتماعية واقتصادية وسياسية يقوم؟
فالقانون ليس كائنًا محايدًا خارج التاريخ والسياسة والمجتمع.
القانون يصاغ من خلال مؤسسات، وهذه المؤسسات تتحرك ضمن رؤية سياسية وفلسفة اجتماعية واقتصادية.
ولهذا فإن من يكتفي بعبارة «القانون هو الفيصل» دون أن يسأل عن فلسفة القانون ومنظومة القيم التي أنتجته، لم يصل بعد إلى جوهر النقاش السياسي.
الفكر قبل الانتساب
ولهذا سبق أن كتبت مقالًا بعنوان:
«الفكر قبل الانتساب»
ووجهته تحديدًا إلى الشابات والشباب الأردني.
فالانتساب إلى حزب لا ينبغي أن يبدأ من صداقة، ولا من معرفة شخصية، ولا من منفعة انتخابية، ولا من مقعد أو موقع أو طموح فردي.
الانتساب الحقيقي يبدأ بالسؤال: ماذا يؤمن هذا الحزب؟
ما رؤيته؟
ما لونه السياسي؟
ما موقفه من الاقتصاد؟
ما موقفه من المجتمع؟
ما رؤيته للدولة؟
ما سياساته؟
وما الذي يريد أن يغيره؟
ثم يأتي السؤال الأهم:
هل أنا مقتنع بهذا الفكر أم لا؟
هذه هي الثقافة الحزبية التي نحتاج إليها.
أما حزب عزم
أما حزب عزم، فهو حزب يمين الوسط؛ محافظ اجتماعيًا، وليبرالي اقتصاديًا، ولكن ضمن الخصوصية الأردنية.
وهذه العبارة ليست شعارًا للاستهلاك السياسي، بل هي مدخل لفهم هوية الحزب وفكره وسياساته.
ولهذا فإن الحديث عن «الخصوصية الأردنية» يحتاج إلى قراءة سياسية واجتماعية واقتصادية عميقة، لأن استنساخ نماذج فكرية واقتصادية من بيئات أخرى ووضعها في الأردن دون فهم خصوصية الدولة والمجتمع والاقتصاد ليس عملًا حزبيًا ناضجًا.
وهنا تبدأ المعركة الفكرية الحقيقية.
فالمطلوب ليس أن نكثر من الأحزاب، بل أن نفهم الأحزاب.
وليس المطلوب أن نكثر من البرامج، بل أن نعرف أي فكر أنتج هذه البرامج.
وليس المطلوب أن نضع الشباب أمام عشرات الشعارات، بل أن نمنحهم القدرة على السؤال والمقارنة والاختيار.
لأن الديمقراطية الحزبية لا تُبنى بكثرة الأسماء، وإنما بوضوح الأفكار.
والحياة الحزبية لا تُقاس بعدد المنتسبين فقط، وإنما بمدى فهمهم لما انتسبوا إليه.
أما أن نتحدث عن الأحزاب دون أن نفهم الفكر الحزبي، وأن نناقش البرامج دون أن نفهم اللون السياسي الذي أنتجها، وأن نستخدم مصطلحات فضفاضة للهروب من التصنيف السياسي، فهذه ليست ممارسة حزبية ناضجة.
هذه هي الكارثة الحقيقية: أن نريد أحزابًا قبل أن نبني فهمًا حزبيًا.
ومن لا يفهم الفكر قبل البرنامج، واللون قبل السياسة، والمرجعية قبل الموقف، سيبقى قادرًا على الحديث عن الأحزاب… لكنه لن يكون قادرًا على فهمها.
الرجاء الانتظار ...