خلص وقت الحكي
التاج الإخباري -
بقلم: م. راني الطورةأحياناً، أفضل طريقة لقراءة المشهد الأردني أن تترك الكلام جانباً، وتنظر إلى ما يتحرك على الأرض.
وقبل كل شيء، هناك المواطن.
الحكومة وجّهت بإضافة 30 ديناراً شهرياً على رواتب الموظفين والمتقاعدين المدنيين والعسكريين الذين تقل رواتبهم عن 600 دينار، مع رصد المخصصات لذلك ضمن موازنة 2027.
ثلاثون ديناراً ليست حلاً لكل شيء، ولا يجوز بيعها للناس على أنها معجزة اقتصادية، لكنها بالنسبة لصاحب راتب محدود قد تعني فرقاً حقيقياً في آخر الشهر.
لكن الراتب وحده لا يبني اقتصاداً.
الراتب يسند المواطن، والمشروع يبني الدولة.
وهنا تبدأ الحكاية.
جلالة الملك... يفتح الأبواب
جلالة الملك عبدالله الثاني يتحرك خارجياً في وقت الأردن بأمسّ الحاجة إلى الاستثمار والأسواق والشراكات.
في الصين مثلاً، لم تكن الزيارة مجرد لقاءات سياسية؛ جرى بحث فرص التعاون مع شركات كبرى في الطاقة والمعادن والأسمدة والصناعات الغذائية والهندسية والسياحة، كما التقى جلالته القيادة الصينية لبحث توسيع الشراكة الاقتصادية بين البلدين.
وفي نيويورك، يلتقي جلالته قادة دول ومسؤولين، ويتابع ملفات الأردن السياسية والاقتصادية في واحدة من أكثر الساحات الدولية تأثيراً.
لكن هنا السؤال الذي يجب ألا نهرب منه:
إذا كان الملك يفتح الأبواب في الخارج، فمن سيُدخل الفرص من هذه الأبواب إلى الأردن؟
هنا يأتي دور الحكومة.
فالملك لا يستطيع أن يكون وزير استثمار ووزير صناعة ووزير نقل ورئيس هيئة تشجيع استثمار في الوقت نفسه.
هو يفتح الباب.
والحكومة عليها أن تدخل.
دولة جعفر حسان... من المكاتب إلى المحافظات
دولة جعفر حسان اختار أن ينزل إلى الميدان.
وخلال عامين، تفقد 183 موقعاً في جميع محافظات المملكة، شملت 46 بلدية و37 لواءً و5 أقضية، وأنجزت إجراءات 125 موقعاً بالكامل، فيما بقي 58 موقعاً قيد الإنجاز.
والأرقام هنا ليست قليلة:
15 مستشفى و26 مركزاً صحياً، و31 مدرسة، و8 مراكز ومعاهد للتدريب المهني والتقني، و33 مصنعاً ومنشأة إنتاجية، إضافة إلى مواقع سياحية ومراكز شبابية ومرافق اجتماعية، وآخرها النقل المدرسي الذي بدأته الحكومة في البادية الجنوبية.
والأهم أن هذه الجولات لم تكن إلى المحافظات لالتقاط الصور أو لعمل استقبال رسمي ومناسف وحشود مسؤولين يتزاحمون حول رئيس الحكومة.
الأردني شبع من هذا النوع من المشاهد.
المواطن يريد أن يأتي المسؤول، يسمع، يأخذ القرار، ثم يعود بعد أشهر فيجد الناس أن شيئاً تغيّر.
وهذا هو الفرق بين زيارة ميدانية وبين استعراض ميداني.
والحكم في النهاية ليس على عدد الزيارات، بل على عدد المشاريع التي بقيت بعد مغادرة الموكب.
الأردن يدخل على مشاريع ثقيلة
المشهد الاقتصادي اليوم لا يقف عند مدرسة أو شارع أو مركز صحي.
هناك مشاريع وطنية ثقيلة يمكن أن تغيّر شكل الاقتصاد الأردني إذا نُفذت كما يجب.
الناقل الوطني للمياه مشروع استراتيجي لتحلية 300 مليون متر مكعب سنوياً، وضخها عبر نحو 450 كيلومتراً، بما يوفر قرابة 40% من احتياجات مياه الشرب في المملكة، مع استهداف بدء الضخ في 2030.
وهذا ليس مشروع ماء فقط.
هذا أمن وطني.
لأن البلد الذي لا يملك ماءً كافياً لا يستطيع أن يتحدث طويلاً عن الصناعة والسياحة والزراعة والاستثمار.
ثم تأتي سكة الحديد.
شبكة بطول نحو 360 كيلومتراً تربط مناجم الفوسفات والبوتاس بالميناء الصناعي في العقبة، وبطاقة نقل تقارب 16 مليون طن سنوياً من الفوسفات والبوتاس، مع دراسة ربطها بمنطقة معان التنموية والميناء البري في معان.
هنا تحديداً يجب أن نفهم معنى المشروع.
القطار ليس مجرد حديد على الأرض.
هو نقل أرخص، وصادرات أكثر، وميناء أكثر كفاءة، وصناعة أقوى، ولوجستيات جديدة، وفرص عمل، وربط محتمل مع سوريا وتركيا والسعودية مستقبلاً.
وهذه هي المشاريع التي تجعل الجغرافيا الأردنية ورقة اقتصادية، لا مجرد موقع على الخريطة.
ومعان... لا يجوز أن تبقى تنتظر
معان ليست محافظة على هامش الاقتصاد الأردني.
هي تقف على طريق مشاريع وطنية كبيرة.
وفي منطقة أبو عامود الشرقي، وافق مجلس الوزراء على إنشاء منطقة تنموية على مساحة 13 ألف دونم لإقامة ثلاثة مشاريع صناعية استراتيجية لإنتاج حامض الفوسفوريك، وحامض الفوسفوريك النقي، وحامض الكبريتيك، ويزيد حجم الاستثمار المتوقع عن مليار وربع المليار دينار، على أن تكون شركة مناجم الفوسفات الأردنية المطور الرئيس.
وهنا تتضح الصورة أكثر.
الفوسفات ليس فقط استخراج خام من الأرض وشحنه إلى الخارج.
والبوتاس ليس فقط مادة تصدّر.
المطلوب أن ننتقل من بيع الثروة إلى تصنيع الثروة.
وأن تدخل مؤسساتنا الوطنية، وفي مقدمتها الفوسفات والبوتاس واستثمارات الضمان برئاسة معالي عمر ملحس، في مشاريع طويلة الأمد تجعل المال الأردني يعمل داخل الأردن، وتخلق حولها مصانع وخدمات ونقلاً ولوجستيات وفرصاً لأبناء المحافظات.
هذه هي القيمة الحقيقية.
أن يصبح ابن معان جزءاً من الصناعة، لا مجرد متفرج عليها.
وهنا يظهر دور مهند شحادة
معالي مهند شحادة أمامه ملف لا يحتمل اللغة الإنشائية.
كل هذه المشاريع تحتاج إلى اقتصاد يلتقطها.
المستثمر يريد أرضاً وطاقة ونقلاً وتمويلاً وإجراءات سريعة وسوقاً وفرصة تصدير.
والمواطن يريد شيئاً أبسط من كل هذه المصطلحات:
وظيفة.
فالاقتصاد الحقيقي ليس رقماً في تقرير.
الاقتصاد الحقيقي مصنع يفتح أبوابه، وشاحنة تتحرك، وقطار ينقل البضاعة، ومهندس يجد عملاً، وفني يتعلم مهنة، وشاب يقبض راتبه آخر الشهر من إنتاج حقيقي.
وهنا أيضاً تأتي مدينة الروضة الصناعية في معان، حيث يجري تنفيذ مشروع إيصال الغاز الطبيعي إليها خلال 18 شهراً، بما يهدف إلى تخفيض كلف الإنتاج وتعزيز تنافسية الصناعة والصادرات.
هذه التفاصيل الصغيرة أحياناً هي التي تصنع الفرق الكبير.
ولي العهد... من قرب الشباب إلى مساحة أوسع من المسؤولية
سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني لم يعد حضوره محصوراً في الصورة القريبة من الشباب.
المسؤولية تتوسع أمامه، وهو يتحرك داخلياً وخارجياً.
خارجياً، تابع سموه ملفات الاستثمار والشراكات، وشارك في لقاءات أوروبية، وترأس التحضير لمؤتمر الاستثمار الأردني الأوروبي، كما بحث في نيويورك مع مؤسسة تمويل التنمية الدولية الأمريكية مشاريع كبرى في الطاقة والخدمات اللوجستية والمياه والسكك الحديدية والإنترنت، والتقى قادة مؤسسات تكنولوجية لبحث الذكاء الاصطناعي والتصنيع وأتمتة العمليات اللوجستية.
وداخلياً، أصبح يتابع ملفات الحكومة بصورة أكثر مباشرة؛ وفي أيلول ترأس جانباً من جلسة مجلس الوزراء لمتابعة قطاعات حيوية، ووجّه الحكومة إلى خطط تنفيذية مرتبطة بجداول زمنية، مع التشديد على أن مصلحة المواطن وتحسين مستوى معيشته يجب أن تكون في المقدمة.
وهذا مهم.
لأن ولي العهد الذي يراه الشاب الأردني قريباً منه، أصبح أيضاً يقترب من تفاصيل الدولة ومسؤولياتها.
ومن معان والشوبك إلى الطفيلة والكرك والمفرق والعقبة وإربد والزرقاء والسلط، الرسالة التي يجب أن تصل لكل شاب واحدة:
الفرصة ليست امتيازاً لمن يسكن قرب العاصمة.
الشاب الأردني لا يريد واسطة توصله إلى فرصة.
يريد دولة تجعل الفرصة تصل إليه.
أبو حسن... الديوان حين يقترب من الناس
ويبقى معالي أبو حسن، يوسف العيسوي، في موقع مختلف.
رئيس الديوان الملكي هو أحد أهم الجسور بين القيادة والناس.
والديوان عندما يكون قريباً من الناس، في أفراحهم وأتراحهم، في القرى والمحافظات والعاصمة، يصبح حضور الدولة محسوساً لا مجرد عنوان رسمي.
وأبو حسن يعرف طبيعة الأردني.
الأردني يريد أن يشعر أن القيادة قريبة منه، وأن باب الدولة ليس بعيداً، وأن صوته لا يضيع بين المكاتب.
وهذا هو المعنى الأجمل للديوان:
أن يدخل الأردني إلى الديوان، وأن يدخل الديوان إلى الأردني.
لا نريد جوقة تصفيق
أنا مع الدولة.
ومع استقرارها.
ومع القيادة الهاشمية.
لكن الوقوف مع الدولة لا يعني أن نضع عقولنا على الرف ونصفق لكل قرار.
نقول للمسؤول أحسنت عندما يحسن، ونقول له أخطأت عندما يخطئ.
ونفرح عندما يبدأ المشروع، لكننا لا نحتفل به كأنه انتهى.
لأن الأردني تعلّم من كثرة الوعود أن يترك الكلام جانباً وينظر إلى الأرض.
والأرض لا تكذب.
البلدوزر لا يكذب.
المصنع عندما يفتح أبوابه لا يحتاج إلى مديح.
القطار عندما يبدأ بنقل الإنتاج لا يحتاج إلى بيان.
والماء عندما يصل إلى بيت المواطن لا يحتاج إلى مؤتمر صحفي.
والشغل عندما يصل إلى ابن معان أو الشوبك أو الطفيلة أو المفرق، لا يحتاج إلى من يشرح له معنى الإنجاز.
نحن أمام مرحلة يجب أن تنتقل فيها الدولة من إدارة التحديات إلى صناعة الفرص.
من انتظار الاستثمار إلى استقطابه.
من تصدير الخام إلى تصنيع القيمة.
من الحديث عن المحافظات إلى تشغيل المحافظات.
ومن مطالبة الشباب بالصبر إلى إعطائهم سبباً حقيقياً لهذا الصبر.
الـ30 ديناراً تسند راتباً، لكن المصنع يصنع راتباً.
والطريق يختصر المسافة، لكن السكة تصنع اقتصاداً.
والماء يحمي الحياة، لكن الصناعة تصنع المستقبل.
لهذا كله، لا أريد من الحكومة أن تكون بطلة في البيانات.
أريدها أن تكون بطلة في النتائج.
ولا أريد من المسؤول أن يخاف من النقد؛ أريده أن يخاف من أن يمر عام كامل ولا يستطيع أن يقول ماذا أنجز.
ولا أريد من المواطن أن يصفق.
أريده أن يحاسب بعينه:
ماذا بُني؟ ماذا افتُتح؟ ماذا اشتغل؟ ومن استفاد؟
هذه هي الدولة التي نحترمها.
وهذه هي الحكومة التي تستحق أن تُقيّم.
أما زمن أن نقول للمواطن "اصبر، هناك مشاريع قادمة" فقد طال أكثر مما يجب.
خلص وقت الحكي.
الأردني لا يريد أن يسمع عن البشائر... يريد أن يمسك نتيجتها بيده.
ومن لا يستطيع أن يحوّل المشروع إلى حياة، فكل ما عنده مجرد ورق... والورق لا يطعم خبزاً، ولا يصنع وظيفة، ولا يبني دولة.
الرجاء الانتظار ...