عذرٌ أقبح من ذنب .. أسرار "البث الرديء" التي ينتظر الشارع الأردني كشفها
التاج الإخباري -
بقلم: موفق الرياحنة.لم تكن مباراة الأردن وسوريا الودية مساء الأحد مجرد 90 دقيقة انتهت بالتعادل الإيجابي، بل تحولت إلى اختبار قاسٍ لمنظومة النقل التلفزيوني الرياضي. فالمشاهد الذي انتظر اللقاء بشغف، اصطدم برداءة الصورة، وتقطع البث، ومشكلات فنية جعلت متابعة اللقاء أشبه بمحاولة التقاط إشارة من زمن غابر. والأكثر إيلاماً أن هذا الخلل طال مباراة لمنتخبين عربيين يتمتعان بجماهيرية واسعة، وفي زمن أصبحت فيه جودة البث ركيزة أساسية في صناعة الرياضة وتطويرها.
سارع الاتحاد الأردني لكرة القدم إلى تقديم اعتذار للجماهير، مبرراً الفشل بـ "خلل في خدمة الإنترنت" لدى الشركة المنتجة، ومشيراً إلى أن تأخر القنوات المحلية في الرد على عرضه دفعه لاستكمال إجراءات البث عبر "شركة متخصصة". لكن هذا الاعتذار لا يغلق الملف، بل يفتح الباب لأسئلة أعمق لا يجوز أن تمر مرور الكرام.
إذا كانت هناك شركة خاصة تعاقدت مع الاتحاد لنقل المباراة، فمن حق الجمهور الأردني أن يعرف تفاصيل هذا التعاقد. ما هو اسم هذه الشركة؟ وما هي خبراتها ومؤهلاتها؟ وكم بلغت قيمة العقد؟ وما هي المعايير التي تم بناءً عليها اختيارها؟ هذه التفاصيل ليست أسراراً عسكرية، بل هي حق بديهي لجمهور المنتخب الوطني. فالشفافية هنا ليست تهمة لأحد، بل هي مظلة تحمي الجميع من الشائعات.
وهنا تبرز المفارقة الأكبر وتتضارب الروايات؛ ففي حين يتحدث الاتحاد عن "تأخر رد القنوات المحلية"، أكدت تصريحات صادرة عن التلفزيون الأردني (الذي اضطر لشراء حقوق البث لاحقاً) أنه عرض مسبقاً توفير عربات النقل الخارجي والبث مجاناً وبأعلى الإمكانات الفنية.
هذا التضارب يضعنا أمام تساؤل إداري ومنطقي مشروع: إذا كانت المؤسسة التلفزيونية الوطنية تمتلك خبرة طويلة، وقادرة على تقديم خيار مضمون فنياً ومجانياً، فلماذا تم استبعادها لصالح بديل أثبت فشله ذريعاً؟ من اتخذ قرار عدم الاعتماد على التلفزيون الأردني؟ وإذا كان هناك سبب قانوني أو فني يمنع ذلك، فلماذا لا يُشرح للرأي العام؟
وعلى الصعيد الفني، لا يمكن تبرير ما حدث بأنه "مفاجأة". فالبث الرياضي يعتمد على منظومة معقدة من الاختبارات المسبقة، والخطط البديلة، ومصادر البث الاحتياطية. غياب خطة الطوارئ، وعدم تدارك المشكلة حتى مع بداية الشوط الثاني، يطرح علامات استفهام كبرى حول حقيقة "الاحترافية" التي تتمتع بها هذه الشركة المجهولة.
المنتخب الأردني يعيش اليوم مرحلة تطور مشهودة وحضوراً قارياً متصاعداً، والجمهور لم يعد يقبل بصورة بدائية لا تليق باسم "النشامى". لذا، فإن اتحاد كرة القدم مطالب اليوم بأكثر من مجرد اعتذار أو إلقاء اللوم على الإنترنت. المطلوب هو كشف الصورة كاملة وبالوثائق، لا بالتصريحات المتبادلة.
نحن لا نتهم أحداً بالفساد أو المنفعة الشخصية، ولكن إبقاء تفاصيل العقود وآليات الاختيار خلف الأبواب المغلقة هو ما يخلق بيئة خصبة للشائعات. الشفافية ليست رفاهية، بل هي أقصر الطرق لبناء الثقة، وإغلاق باب الشبهة قبل أن يتحول السؤال المشروع إلى اتهام صريح.
الرجاء الانتظار ...