«نازا» .. حين تشهد إسرائيل على جرائمها

التاج الإخباري -

بقلم: رجا طلب.

لا تحتاج الصورة إلى ألف كلمة لتوضيح معناها، وبالمقابل تكفي شهادة حية واحدة لتنسف رواية متكاملة نسقت وكتبت فصولها بشكل مدروس ومتسلسل وشكلت مع مرور الوقت صورة راسخة في وجدان المتلقي باعتبارها بديهة من البديهيات، وهذا بالضبط ما فعله فيلم «نازا» الذي عرض مؤخرا في مهرجان البندقية السينمائي، فالفيلم نسف وببساطة شديدة منتج آلة الكذب الإسرائيلية، وذلك لأنه لم يأتِ هذه المرة بشهادات فلسطينية عن غزة، ولا بتقارير لمنظمات حقوقية دولية يمكن لإسرائيل أن تتهمها بالانحياز، بل لأنه وضع أمام العالم شهادات إسرائيليين خدموا داخل المؤسسة العسكرية والاستخبارية، ويتحدثون عن الطريقة التي جرى بها تحديد الأهداف والتعامل مع أعداد المدنيين الأبرياء الذين يمكن أن يسقطوا في أي عملية قصف.

واللافت أن عنوان الفيلم نفسه ليس اعتباطياً، «نازا» هو مصطلح يُستخدم في السياق العسكري والاستخباري الإسرائيلي للدلالة على عدد المدنيين الذين يُقدَّر مسبقاً أنهم قد يُقتلون في عملية عسكرية أو عند استهداف هدف معين، أي أن المدنيين يمكن أن يدخلوا، قبل تنفيذ الضربة، في معادلة رقمية لحساب الكلفة البشرية المتوقعة، وهو أمر في غاية الوحشية والبربرية.

وباعتقادي أن قوة الفيلم وخطورته معاً، ليست في أن «نازا» يقدم رواية جديدة عما حدث في غزة، بل في أنه يضع الرواية الإسرائيلية نفسها أمام مرآة إسرائيلية.

على مدى أشهر الحرب، امتلكت إسرائيل سلاحاً لا يقل أهمية عن الدبابات والطائرات، إنه القدرة على تعريف ما يحدث، وتحديد من هو المعتدي ومن هو المدافع، ومن هو الإرهابي ومن هو المدني، وكانت كل صورة للدمار في غزة تصطدم بالرواية الأمنية الإسرائيلية التي تقول إن الحرب تستهدف حماس، وإن سقوط المدنيين هو نتيجة مؤلمة للحرب وليست هدفاً لها.

لكن ماذا يحدث عندما يتحدث أشخاص من داخل ماكينة الحرب عن آليات الاستهداف نفسها؟.

هنا يصبح الأمر مختلفاً تماماً، ويبرز السؤال المهم: هل نحن أمام أخطاء فردية في حرب شديدة التعقيد؟ أم أمام منظومة اتخذت من حجم الخسائر المدنية رقماً يدخل في حسابات القرار العسكري؟.

هذه هي القنبلة السياسية الحقيقية التي فجرها «نازا»، ولذلك فإن أهمية الفيلم لا تقاس بعدد مشاهديه فقط، على أهمية ذلك، وإنما بالمكان الذي اختير لوضع الشهادة فيه، فمهرجان البندقية ليس مجرد مهرجان سينمائي؛ إنه إحدى المنصات التي تصنع جزءاً من الذاكرة الثقافية والسياسية للعالم، وحين يخرج فيلم عن غزة من قاعة البندقية وسط تصفيق طويل، ثم يحصل على جائزة لجنة التحكيم الخاصة، فإن الرسالة لا تبقى محصورة بين نقاد السينما، إنها تنتقل إلى الصحافة، والجامعات، وصناعة الأفلام، والنخب السياسية والثقافية، ومن ثم إلى الرأي العام في العالم،

والأخطر بالنسبة لإسرائيل أن «نازا» يأتي في سياق بدأ يتراكم فيه شيء جديد: انهيار احتكار الرواية، فبعد فيلم «لا أرض أخرى» الذي حصد الأوسكار، يأتي «نازا» ليقول إن هناك إسرائيليين مستعدين للذهاب للكشف عما جرى وبكل جرأة، وهذه ليست مشكلة علاقات عامة بالنسبة إلى الحكومة الإسرائيلية، إنها مشكلة داخلية في تعريف إسرائيل لنفسها.

إسرائيل تستطيع أن تقول إن العالم لا يفهم مخاوفها الأمنية، لكنها ستجد صعوبة أكبر في أن تقول إن الإسرائيليين الذين خدموا في مؤسساتها العسكرية والاستخبارية لا يفهمون ما رأوه وما فعلوه، من هنا يمكن فهم رد الفعل الإسرائيلي العنيف على الفيلم ومخرجيه، فالهجوم على يوفال أبراهام وراشيل زور، وطرح فكرة سحب الجنسية منهما، ليس تفصيلاً هامشياً في القصة، بل قد يتحول إلى فصل جديد منها لأن محاولة إسكات صاحب الشهادة قد تجعل الشهادة أكثر انتشاراً.

والسؤال الذي قد يعود على إسرائيل مثل ارتداد الرصاصة هو: لماذا يصبح الإسرائيلي الذي يتحدث عن الحرب مشكلة أمنية؟.

قد لا يستطيع «نازا» تغيير مواقف الحكومات الغربية غداً، وقد لا يؤدي وحده إلى تغيير السياسة تجاه إسرائيل، فالسياسة الدولية أكثر براغماتية من أن يحسمها فيلم، مهما كان قوياً،

لكن الأفلام لا تعمل دائماً على تغيير الحكومات، أحياناً تغير شيئاً أعمق: تغير الخيال الذي يرى به الناس القضية، وهذا هو الخطر البعيد المدى، فالاحتلال يستطيع أن يعيش طويلاً تحت حماية القوة، لكنه يصبح أكثر هشاشة عندما يبدأ السؤال الأخلاقي بالوصول إلى داخل المجتمع الذي يمارس الاحتلال نفسه.

أما مصير مخرجي «نازا»، فقد يكون جزءاً من المعركة المقبلة إذا تصاعدت الضغوط عليهما وهذا هو المتوقع، فقد تتحول قضيتهما من قضية فنية إلى قضية حرية تعبير بامتياز، وإذا تعرضا لملاحقة سياسية أو قانونية، فإن العالم لن يعود يناقش الفيلم وحده، بل سيبدأ بمناقشة إسرائيل التي تريد معاقبة من كشف جانباً من إرهابها، وهنا المفارقة الكبرى: عندما تبدأ إسرائيل «باغتيال» «نازا»، الفيلم الذي يوثق الجرائم التي ارتكبت في غزة، وتجد نفسها دون أن تدري أنها ساهمت في تحويل «نازا» إلى فيلم يتحدث عن إسرائيل نفسها.

إسرائيل لم تخسر معركة الرواية في البندقية، فالمعركة أطول من ذلك، لكن شيئاً مهماً حدث هناك: للمرة الثانية، لم تعد غزة تتحدث وحدها، إسرائيل نفسها بدأت تشهد على جرائم إسرائيل في غزة.





مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى