حين ترتدي الشائعة وجه الحكومة
التاج الإخباري -
بقلم: سيف الدين وجيه أبوخضير.تبدأ الشائعة، في العادة، بمحاولة إقناع الناس بأن صاحبها يعرف ما لا يعرفون. تستعير اسم مسؤول، أو تتكئ على مصدر مجهول، أو تسبق نفسها بعبارة «خبر مؤكد». وفي عصر الذكاء الاصطناعي، أصبح في وسعها أن تذهب أبعد: أن تظهر بوجه مألوف، وتتحدث بصوت يعرفه الجمهور، وتترك للثقة السابقة مهمة إقناع الناس بالكلام الجديد.
من هنا تستحق تجربة «فرح»، الشخصية الرقمية المقدمة أداةً إضافية للتواصل الحكومي، نقاشًا يتصل بحماية الكلمة الرسمية. فتسهيل وصول المعلومات إلى المواطنين هدف له قيمته، واستخدام التكنولوجيا في شرحها يستحق التقييم بجدية. غير أن منح شخصية رقمية حضورًا رسميًا يفرض التفكير في احتمال أن يستعير آخرون هذا الحضور، وينطقوا من خلاله بما لم تقله الحكومة.
ذلك أن المؤسسة، حين تقدم وجهًا إلى الجمهور وتكرر ظهوره، تبني بينه وبين الناس ألفة مقصودة. ومع الوقت قد يصبح التعرف إليه مدخلًا لتصديق ما يقوله. وهنا تظهر معادلة دقيقة: الحكومة تريد للمواطن أن يألف «فرح»، وفي الوقت نفسه تحتاج إلى أن تعلّمه أن ظهور «فرح» في مقطع لا يكفي لإثبات صدوره عنها.
لنتصور مقطعًا منتحلًا يقلد صورة «فرح» وصوتها، ويعلن قرارًا يتعلق بالرواتب أو الأسعار أو تعطيل الدوام. يصل إلى هاتف مواطن عبر مجموعة عائلية، بعدما انفصل عن الحساب الذي نشره أول مرة. أمام المتلقي وجه مألوف، ونبرة واثقة، وعبارات تشبه لغة الإعلانات الرسمية. وقد يعيد نشره بحسن نية، معتقدًا أنه ينقل إلى الآخرين معلومة يحتاجون إليها.
في هذه اللحظة تكون الشائعة قد استعارت أكثر من صورة؛ استعارت الصفة التي يربطها الناس بتلك الصورة.
ولا يحتاج من ينتحل الشخصية إلى إقناع الجميع. يكفي أن يصدقه بعض المتلقين، وأن يبدأوا التصرف أو التداول قبل وصول النفي. وتزداد فرص الانتشار حين يمس الخبر حاجة ملحّة، أو يوافق توقعًا ينتظره الناس، أو يأتي في توقيت يكثر فيه القلق وتقل المعلومات.
هذا احتمال ينبغي الاستعداد له، وليس ادعاءً بوقوعه في تجربة «فرح». كما أن تقليد الصورة والصوت خطر يطال الناطق البشري أيضًا. ولذلك تتعلق القضية بالأساس الذي يعتمد عليه المواطن ليقرر أن ما يشاهده صادر فعلًا عن مؤسسة رسمية، وبقدرة هذه المؤسسة على مساعدته في التحقق.
والأثر الأول للمقطع المزيف قد يظهر في ارتباك عابر، أو استفسارات متلاحقة، أو تصرفات بُنيت على معلومة خاطئة. أما الأثر الأبعد فيظهر بعد انكشاف التزييف، حين يبدأ المواطن بالشك في المقاطع الصحيحة أيضًا. فالتجربة التي علّمته أن الوجه المألوف قد يخدعه يمكن أن تجعله يتردد أمام الإعلان التالي، حتى لو كان صحيحًا.
وهنا تنتقل المشكلة من انتشار خبر كاذب إلى اضطراب العلاقة مع المصدر الذي يُفترض الرجوع إليه لمعرفة الحقيقة. فإذا أصبح الإعلان الرسمي نفسه موضع شك، احتاجت الحكومة في كل مرة إلى إثبات أنها تتكلم قبل أن تبدأ بشرح ما تقول.
لهذا، ينبغي أن يرافق تطوير الأداة طريق واضح للتحقق: مرجع حكومي معروف يجمع الإعلانات الأصلية بنصوصها وتواريخها والجهات المسؤولة عنها، ويتيح للمواطن الوصول إليها بسهولة. فالشعار داخل الفيديو قابل للنسخ، وأي علامة تحقق تحتاج بدورها إلى مرجع موثوق خارج المقطع الذي يجري فحصه.
وتحتاج الحماية أيضًا إلى رصد سريع للمحتوى المنتحل، وتصحيح يصل إلى الجمهور الذي شاهده، وجهة بشرية معلومة يستطيع الصحفي الرجوع إليها لتأكيد المعلومة أو نفيها. كما تبقى مسؤولية المحتوى الأصلي على المؤسسة التي تعدّه وتعتمده؛ فإذا أخطأت في معلومة، وجب أن تصححها بوضوح، مهما كانت الوسيلة التي نطقت بها.
للأردن مصلحة في تطوير اتصاله الحكومي، وفي تقريب المعلومات من الناس بلغة مفهومة وأدوات حديثة. وحماية هذه المصلحة تقتضي أن تنمو عادة التحقق من المصدر مع نمو الألفة بالوجه الرقمي. فكل نجاح في جعل «فرح» معروفة لدى الجمهور ينبغي أن يرافقه نجاح في تعريف الجمهور بكيفية تمييز محتواها الأصلي مما يُنسب إليها.
والاختبار الحقيقي سيأتي حين يصل إلى المواطن مقطع يشبه إعلانات الحكومة، ويحمل كلامًا يمسه مباشرة، فيجد وسيلة سهلة وسريعة لمعرفة حقيقته قبل التصرف على أساسه.
أما إذا سبق التقليدُ التحققَ، فقد تستعير الشائعة من الحكومة ما يجعل الناس يصدقونها. وعندها تدفع المؤسسة كلفة مزدوجة: تصحيح كلام لم يصدر عنها، وإعادة تثبيت الثقة في كلام صدر عنها بالفعل.
الرجاء الانتظار ...