حاتوقاي في العزاء .. كلمات قليلة من القلب لامست وجع الأردنيين

التاج الإخباري -

وفاء صبيح.

في لحظات الفقد، لا تحتاج الكلمات إلى كثير من الزخرفة حتى تصل إلى القلب، ولا يكون وقعها مرتبطًا بطول الحديث، بقدر ما يرتبط بصدقها وقدرتها على ملامسة مشاعر من يعيشون الوجع.

ولعل هذا ما بدا واضحًا في كلمة مدير دائرة المخابرات العامة اللواء أحمد حسني حاتوقاي خلال تقديمه واجب العزاء لذوي أحد مكلفي خدمة العلم، الذين وافتهم المنية بحادث السير المؤسف الذي وقع على الطريق الصحراوي الخميس الماضي.

حاتوقاي - المعروف بقلة الكلام - لم يلجأ في هذه المناسبة إلى عبارات رسمية جامدة أو كلمات معدّة سلفًا، بل اختار أن يتحدث ببساطة وصدق، وبعبارات بدت أقرب إلى حديث أب يواسي أبًا وأخ يشارك أهل الفقيد مصابهم.

ومن بين كلماته، قال لذوي الفقيد: "إنهم الأصل وطول عمركم الأصل"، في رسالة تحمل تقديرًا واضحًا لعائلة فقدت أحد أبنائها، وتؤكد أن ما قدمه هؤلاء الشباب في خدمة وطنهم لا يمر دون تقدير أو وفاء.

ثم جاءت العبارة الأكثر وقعًا  : "ولادنا فداء للبلد .. وتعوّدنا نستضيف لا نُستضاف".

كلمات قليلة، لكنها تختصر معنى راسخًا في الوجدان الأردني؛ فالشاب الذي يؤدي واجبه ليس مجرد مكلف بمهمة، بل ابن لأسرة أردنية، وجزء من مجتمع يرى في خدمة الوطن مسؤولية وشرفًا، ويتعامل مع أبنائه بوصفهم أمانة غالية.

ولم تتوقف كلمة حاتوقاي عند مشاعر الفقد، بل انتقلت إلى الحديث عن واحدة من أبرز السمات التي يرى أنها تميز المجتمع الأردني، وهي التكافل.

وقال: جميعنا نحمي البلد، وفي نمط مسلكي بينا نحن الأردنيين غير موجود في كل دول العالم، وهو نظام التكافل، وزرعوه فينا الهاشميين"، مشيرًا إلى أن هذا التكافل ليس مجرد موقف عابر في مناسبات الحزن، وإنما سلوك متجذر في المجتمع الأردني.

وأضاف أن الاهتمام في الأردن يصل إلى "أدق التفاصيل"، لافتًا إلى أن جلالة الملك يهتم يوميًا بأدق التفاصيل، وأن الأردن يأتي أولًا.

وفي حديثه عن العلاقة بين القيادة والمجتمع، استحضر حاتوقاي العائلة الهاشمية والعشائر الأردنية، قائلًا: "والله أكرمنا بعائلة الهاشميين وأكرمنا بالعشائر الطيبة"، معتبرًا أن العشائر كانت أساسًا في المراحل الأولى من مسيرة المجتمع الأردني، وما تزال قيمها وعاداتها وأخلاقها حاضرة ومتجسدة في حياة الأردنيين.

ما يلفت في كلمة حاتوقاي ليس فقط مضمونها، وإنما طريقتها.

فالرجل الذي يشغل موقعًا أمنيًا رفيعًا، اختار في موقف إنساني مؤلم أن يتحدث بعيدًا عن اللغة الرسمية الثقيلة، وأن يقترب من الناس بلغتهم ومشاعرهم، مستندًا إلى مفردات يعرف الأردنيون معناها جيدًا: الأصل، والوفاء، والتكافل، والعشيرة، والهاشميون، والوطن.

وربما لهذا السبب بدت كلماته أكبر من عددها؛ لأنها لم تحاول أن تشرح الحزن، بل شاركته مع أهله، ولم تتحدث عن التضحية بوصفها مفهومًا مجردًا، بل ربطتها بأبناء الأردن وعائلاتهم.

في مثل هذه المواقف، لا يحتاج أهل الفقيد إلى خطاب طويل، بقدر ما يحتاجون إلى من يشعر بهم، ويقول لهم إن ابنهم لم يكن وحده في أداء واجبه، وإن خلفه وطنًا يرى في أبنائه قيمة، وفي عائلاتهم أصلًا يستحق التقدير.

وهنا تحديدًا جاءت كلمات حاتوقاي في مكانها، قليلة في عددها، لكنها وازنة في معناها، وقريبة من وجدان كل أب وأم يعرفان معنى أن يخرج الابن لخدمة وطنه، ثم يعود إليهما محمولًا على الأكتاف.

رحم الله من توفاهم الله في حادث الطريق الصحراوي، وأسكنهم فسيح جناته، وألهم أهلهم وذويهم الصبر والسلوان وحسن العزاء، وربط على قلوبهم، وجبر مصابهم، وحفظ الله الأردن وأبناءه من كل مكروه.

 





مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى