الرياحنة يكتب: نجح أبناؤنا… فمن يملك ثمن الحلم؟
بقلم: موفق الرياحنة
ثمة فرح لا يشبهه فرح، ذلك الذي يسكن قلب الأب حين يرى اسم ابنه بين الناجحين.
سنوات من التعب والسهر والقلق والدعاء تنتهي في لحظة واحدة، لحظة يقول فيها الأب لأبنائه بفخر:
مبروك… لقد نجحتم.
لكن هذه المرة يبدو أن هناك سؤالًا ثقيلًا يقف خلف أبواب البيوت الأردنية، سؤال لا يظهر في صور الفرح ولا تسمعه الزغاريد:
وماذا بعد النجاح؟
هنا تبدأ الحكاية الأخرى.
فالأب الذي كان ينتظر نتيجة ابنه بالأمس، أصبح اليوم يجلس أمام ورقة وقلم، يحسب رسوم الجامعة، وعدد الساعات، والمواصلات، والكتب، والسكن، والمصاريف.
ثم ينظر إلى ابنه المتفوق، ويبتلع غصة في قلبه.
ليس لأنه لا يريد له الجامعة، بل لأنه يريدها أكثر من أي شيء آخر.
ولكن من أين يأتي بثمن الحلم؟
أيها السادة…
نحن لا نتحدث عن رفاهية.
نحن نتحدث عن أبناء أردنيين اجتهدوا وتعبوا، وعن أسر دفعت من أعصابها وأعمارها حتى يصل أبناؤها إلى هذه اللحظة.
وعندما نرى ارتفاع كلفة التعليم، وتزايد الأعباء على الأسر، وتقلص فرص القبول في بعض التخصصات، فإن من حق المواطن أن يسأل بصوت عال:
إلى أين نذهب بأبنائنا؟
إذا ضاقت مقاعد الجامعات الرسمية، وارتفعت كلفة الدراسة، فما هو البديل أمام الأسرة الأردنية محدودة الدخل؟
هل أصبح على الأب أن يستدين لسنوات حتى يستطيع أن يدرس ابنه؟
هل أصبح التفوق وحده غير كافٍ؟
هل أصبح معدل الطالب مهمًا، ثم تأتي قدرة والده المالية لتقرر إن كان يستطيع إكمال الطريق؟
إن كان التعليم حقًا واستثمارًا في الإنسان، فعلينا أن نتعامل معه بهذه الروح، لا أن يتحول إلى معادلة مالية تثقل كاهل الأسرة وتدفعها إلى اليأس.
ولست هنا ضد الجامعات الخاصة.
ولا ضد تنظيم القبول.
ولا ضد مراجعة أعداد المقبولين في التخصصات التي تعاني من التشبع.
لكنني ضد أن يشعر المواطن أن الأبواب تُغلق في وجهه دون أن يرى أمامه أبوابًا بديلة يستطيع عبورها.
وضد أن يصبح حلم الطالب الفقير مختلفًا عن حلم الطالب المقتدر.
وضد أن يتحول الأب الأردني من الاحتفال بنجاح ابنه إلى البحث عن قرض يمول به فرحته.
والأخطر أن الشارع بدأ يطرح أسئلة عن العلاقة بين بعض السياسات التعليمية ومصالح القطاع الخاص.
هذه الأسئلة لا يجوز مواجهتها بالصمت، ولا ينبغي أن تتحول إلى اتهامات بلا أدلة.
الحل بسيط: الشفافية.
ليخرج أصحاب القرار ويشرحوا للناس.
لماذا ارتفعت الكلفة؟
لماذا تغيرت أعداد القبول؟
ما البدائل؟
كيف ستحمي الدولة أبناء الطبقة المتوسطة والفقيرة؟
ومن يضمن أن مصلحة الطالب الأردني هي البوصلة الأولى والأخيرة؟
فالأردني لا يطلب جامعة مجانية لكل شيء.
ولا يطلب المستحيل.
هو يريد فقط أن يشعر أن الدولة تقف إلى جانبه عندما يحين موعد دفع ثمن مستقبل أبنائه.
لقد ارتفع كل شيء تقريبًا.
أسعار الغذاء ارتفعت.
كلفة النقل ارتفعت.
الإيجارات ارتفعت.
الأقساط ارتفعت.
وكلفة الحياة أصبحت أثقل من قدرة كثير من الأسر.
فلا تجعلوا التعليم، وهو آخر ما يتمسك به المواطن لصناعة مستقبل أبنائه، بابًا آخر للضغط عليه.
لا تقتلوا فرحة النجاح.
لا تجعلوا الأم التي سهرت على ابنها طوال سنوات تبكي يوم قبوله في الجامعة لأنها لا تعرف من أين ستأتي بالرسوم.
ولا تجعلوا الأب الذي كان ينتظر شهادة ابنه بفخر يقول في نهاية المطاف:
يا بني… نجحت، ولكنني عاجز عن دفع ثمن نجاحك.
هذه الجملة وحدها كافية لأن تجعلنا جميعًا نتوقف.
فالدولة التي تريد من أبنائها أن يحملوا مستقبلها، عليها أولًا أن تحمل أحلامهم.
والدولة التي تريد شبابًا مؤمنًا بالمستقبل، عليها ألا تجعل المستقبل حكرًا على القادرين على دفع ثمنه.
لقد نجح أبناؤنا.
والآن جاء دورنا جميعًا أن نسأل:
هل سنمنحهم فرصة حقيقية ليكملوا الطريق؟
فالتعليم ليس سلعة.
والتفوق ليس تهمة.
والفقر لا يجب أن يكون عقوبة.
وأبناء الأردنيين جميعًا يستحقون أن يحلموا بالحلم نفسه.
لقد ارتفعت أشياء كثيرة في وطني…
لكنني أخشى أن يكون الشيء الذي بدأ ينخفض هو قدرة الإنسان الأردني على الاحتمال.
وهذه المرة…
لا نريد بيانات ولا شعارات.
نريد إجابة واحدة واضحة:
من يملك ثمن الحلم؟
الرجاء الانتظار ...