"التوجيهي" بعد التعديلات المتكررة .. هل تتحقق العدالة بين توزيع الحقول وحرية الاختيار؟
التاج الإخباري -
غادة الخولي ْقال الاستشاري والخبير التربوي الدكتور محمد أبو عمارة، إن تغيير نظام الثانوية العامة كان مطلباً تربوياً وجماهيرياً منذ أكثر من عشر سنوات، إلا أن النظام بصورته الحالية ما يزال يشوبه عدد من الاختلالات والثغرات، خصوصاً فيما يتعلق بتوزيع الطلبة على الحقول الدراسية.
وأوضح أبو عمارة في حديث مع "التاج الإخباري"، الاثنين، أن التعديل جاء بهدف تقسيم الدراسة إلى مرحلتين، بحيث يتقدم الطالب في الصف الحادي عشر لأربع مواد، ثم يتخصص في الصف الثاني عشر وفق التخصص الذي يختاره، إلا أن التطبيق أظهر مشكلات تتعلق بعدالة توزيع الطلبة والفرص المتاحة أمامهم.
وأشار إلى أن توزيع الطلبة على الحقول الدراسية لم يكن عادلاً، موضحاً أن بعض الطلبة حصلوا على معدلات مرتفعة جداً، لكنهم قد لا يتمكنون من دراسة التخصص الذي يرغبون به داخل الأردن، في حين أن عدم دراسة بعض المواد العلمية في الصف الحادي عشر قد يعيق التحاقهم ببعض الجامعات العالمية، باستثناء الحالات التي تتم معالجتها بإجراءات خاصة.
وبيّن أبو عمارة أن من أبرز المشكلات التي ظهرت تكدس أعداد كبيرة من الطلبة في الحقل الصحي، هروباً من مادة الرياضيات التي لم تكن مطلوبة في الصف الحادي عشر ولا في الصف الثاني عشر، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع أعداد الطلبة الحاصلين على معدلات مرتفعة في هذا الحقل.
ولفت إلى أن المقاعد الجامعية في تخصصات الطب والتخصصات المرتبطة به محدودة، ولا تكفي لأكثر من نسبة محدودة من إجمالي الخريجين، ما يعني أن الطالب الذي يحصل على معدل 98 بالمئة أو أكثر قد لا يتمكن من دراسة الطب أو طب الأسنان أو الصيدلة.
وفي المقابل، أوضح أن أعداد الطلبة الذين اختاروا الحقل الهندسي والتكنولوجي كانت قليلة، كما أن نسبة النجاح فيه كانت أقل نسبياً بسبب صعوبة مواده، في الوقت الذي كانت فيه أعداد المقاعد الجامعية المتاحة في هذه التخصصات أكبر من أعداد الخريجين، ما جعل طلبة هذه الحقول أكثر استفادة من فرص القبول الجامعي.
وأكد أبو عمارة لـ"التاج"، أن المشكلة لا تقتصر على الطلبة، بل تمتد إلى أولياء الأمور الذين باتوا يواجهون حالة من عدم الوضوح بشأن مستقبل أبنائهم، مشيراً إلى أن المعايير المعتمدة لتوزيع الطلبة على الحقول، ومنها تحديد نسب متساوية، تجعل الأمر أقرب إلى التعامل مع المسألة بصورة كمية وليس نوعية.
وقال إن القرار الحالي المتعلق بتوزيع الطلبة بنسبة متساوية على الحقول الأربعة يتعارض مع الهدف الأساسي من تطوير نظام الثانوية العامة، والمتمثل في منح الطالب حرية اختيار المجال الذي يتناسب مع ميوله وقدراته.
وأضاف أن الطالب الذي يرغب في الالتحاق بالحقل الصحي، على سبيل المثال، لا ينبغي أن يُحرم من ذلك بسبب نسبة محددة للتوزيع، مؤكداً أن هذا الأمر يتنافى مع مبدأ حرية الاختيار الذي أُنشئ النظام من أجله.
وأشار أبو عمارة إلى أن تطبيق القرار على طلبة الصف الحادي عشر الحاليين يثير إشكالية أخرى، لأن نسبة كبيرة منهم ركزت على المواد الأربع التي تقدموا بها لامتحانات الوزارة، وأهملت مواد أخرى، وبالتالي فإن احتساب علامات الصفين العاشر والحادي عشر ضمن تحديد مستقبل الطالب قد لا يكون عادلاً.
وأوضح أن الطالب الذي ركز على مواد الحقل الصحي وحصل فيها على علامات مرتفعة، بينما لم يهتم بمواد أخرى لأنه لم يكن يعلم أنها ستؤثر في مستقبله، لا ينبغي أن يُعاقب لاحقاً بحرمانه من الحقل الذي يرغب فيه.
وطالب بأن يتم تطبيق القرار على مواليد 2011، بما يتيح للطلبة الحاليين الوقت الكافي للاستعداد ومعرفة طبيعة النظام الجديد، ودراسة جميع المواد بجدية، خاصة إذا كانت علامات الصفين العاشر والحادي عشر ستدخل في تحديد التخصص المستقبلي.
وأكد أن النماذج التعليمية العالمية لا تجعل الطالب ينتظر حتى السنة الأخيرة لتحديد مساره، مشيراً إلى أن الأنظمة المختلفة تبدأ بتحديد المسار منذ الصف الحادي عشر، بما يتيح للطالب اختيار المجال الذي يتناسب مع ميوله وقدراته.
ودعا وزارة التربية والتعليم إلى إعادة النظر في القرار وتطبيقه على مواليد 2011، مع إجراء تعديلات أو ضوابط تحد من التكدس في الحقل الصحي، ومنها إمكانية تعديل الخطط الدراسية بما يسهم في تنظيم أعداد الطلبة الراغبين في الالتحاق به.
وقال إن القرار بصورته الحالية وتوقيته "مجحف جداً" بحق الطلبة، داعياً إلى مراعاة مصلحة الطالب عند اتخاذ القرارات المتعلقة بمستقبله التعليمي.
وأضاف أن التواصل مع وزارة التربية والتعليم للحصول على توضيحات بشأن القرار لم يكن بالمستوى المطلوب، مشيراً إلى أن الأهالي والطلبة يطرحون تساؤلات عديدة حول ما يتوجب عليهم فعله، في ظل عدم وضوح الخيارات المتاحة أمامهم.
وأكد أن أصعب ما يواجه الطلبة حالياً هو الإقبال على مستقبل مجهول، في ظل عدم وضوح المسارات والخيارات أمامهم، مشيراً إلى أن مرحلة التوجيه بطبيعتها تثير القلق لدى الطلبة والأهالي، فكيف إذا كان الطالب معرضاً للدخول في تخصص لا يتناسب مع ميوله.
وأشار إلى أن نظام الثانوية العامة الحالي لم يدرس بصورة كافية قبل تطبيقه، معتبراً أنه جاء على عجل، والدليل على ذلك التعديلات المتكررة التي طرأت عليه، سواء في مواعيد الامتحانات أو طبيعة المواد والمناهج والحزم والحقول الدراسية.
وقال إن التعديلات المتكررة جعلت العاملين في الميدان التربوي غير قادرين على متابعة ما يحدث، فما بالك بالطالب وولي الأمر، مؤكداً أن الرؤية المستقبلية للنظام ليست واضحة بما يكفي للطلبة ولا للتربويين.
وأضاف أن مستقبل الطلبة لا يحتمل التجارب المتكررة، خصوصاً أن نتائج النظام الحالي أظهرت أن الحصول على معدلات مرتفعة لا يعني بالضرورة قدرة الطالب على الالتحاق بالتخصص الذي يرغب فيه.
وأكد أبو عمارة على أن نظام الثانوية العامة بحاجة إلى مراجعة شاملة، داعياً إلى إعادة النظر في القرار الأخير، ومراعاة مصلحة الطلبة، وضمان حرية اختيارهم للتخصصات بما يتناسب مع قدراتهم وميولهم وفرصهم المستقبلية.
الرجاء الانتظار ...