الحباشنة يكتب: في ذكرى جريمة إحراق المسجد الأقصى

بقلم: المهندس عامر الحباشنة

سؤال الضفة الأخرى.. عندما يستعصي الجواب

هناك أسئلة لا يستعصي جوابها لأن الحقيقة غامضة، بل لأن الحقيقة، حين تكون ثقيلة، تصبح الإجابة عليها أكثر صعوبة من السؤال نفسه.
سألني صديق مقيم في الضفة الأخرى من نهرنا الجامع: كيف ترى الأشياء والمآل؟
قلت له في البداية إنك تعيش الواقع، وأنت أقدر على تقديره ووصفه مني. لكنه أصر على السؤال، وقال إن الذين يعيشون التفاصيل اليومية قد يصبحون، من فرط انشغالهم بها، أقل قدرة على رؤية المشهد كاملًا، وأبعد عن القدرة على اجتراح الحلول.
كان سؤاله مدخلًا لاستعادة تاريخ طويل، لا تزال صفحاته مفتوحة، ولا تزال المأساة فيه تعيد إنتاج نفسها بأسماء وأشكال مختلفة.
قبل أكثر من قرن، بدأ المشروع على افتراض أن هذه الأرض يمكن التعامل معها باعتبارها أرضًا بلا شعب. ولم يكن المقصود بالضرورة غياب البشر عنها، وإنما غياب حقهم في القرار والسيادة. ومنذ ذلك الوقت، لم يتوقف العمل على الأرض لترجمة هذا الافتراض إلى واقع سياسي وجغرافي.
هنا تكمن إحدى أكثر المفارقات قسوة في تاريخ القضية الفلسطينية: شعب حاضر، وأرض حاضرة، لكن الصراع يدور باستمرار حول حق هذا الشعب في أن يكون صاحب القرار على أرضه.
ومع ذلك، لم تكن المشكلة يومًا في غياب الوعي بالحقيقة.
لقد عرف الناس مبكرًا طبيعة المشروع، وقدموا التضحيات، وسقط الرجال، وامتلأت الأرض بالدماء والجراح. مرّت على الطريق قوافل من الذين حملوا مشاعل الفداء، لكن المأساة أننا لم ننجح دائمًا في تحويل تلك التضحيات إلى مشروع سياسي قادر على حماية نتائجها.
كنا نملك المشاعل، لكننا كثيرًا ما رمينا بها على الأرض بدل أن ننير بها الطريق.
ولم تكن الخلافات حول طبيعة المواجهة جديدة. فمنذ عهد الانتداب، انشغلنا طويلًا في تحديد العدو وترتيب الأولويات، وتجادلنا حول المنتدب الإمبراطوري ومن جاء محمولًا على وعوده، كما اختلفنا في وسائل المواجهة وأشكالها، بينما كان المشروع الآخر يتقدم على الأرض بخطوات محسوبة.
مرّت الثلاثاء الحمراء، والبراق، والإضراب الكبير، والقسطل، ويعبد، وغيرها من المحطات التي صنعت صفحات من تاريخ المقاومة والتضحيات، لكننا لم ننجح دائمًا في تحويل تراكم هذه التجارب إلى استراتيجية تاريخية متصلة.
ثم جاء زمن آخر، تبدلت فيه الخنادق بالطاولات، والخاكي بربطات الأعناق، وأصبح الحوار والمفاوضات عنوانًا لمرحلة جديدة.
فاوضنا على الأرض، بينما كان الطرف الآخر يفاوض على الزمن.
وهذه ربما واحدة من أكثر المشكلات التي تستحق التوقف عندها.
دخلنا مسار السلام في وقت كان عدد المستوطنين فيه أقل بكثير مما هو عليه اليوم، لكن السنوات التي كان يفترض أن تقود إلى الحل السياسي تحولت تدريجيًا إلى سنوات لتغيير الحقائق على الأرض.
وبالتوازي، وقع الانقسام الفلسطيني، وأصبحت الضفة والقطاع مسارين سياسيين منفصلين، واستُثمر الانقسام من أطراف داخلية وخارجية، حتى أصبح جزءًا من المشهد الذي يصعب تجاوزه.
ثم جاءت السابع من أكتوبر، بما حملته من تحول هائل في مسار الصراع، وما تبعها من حرب ودمار ونزوح ومآسٍ، بينما كانت الضفة الغربية تدخل مرحلة مختلفة من الضغط والاستيطان وتقطيع الجغرافيا.
واليوم، لا تبدو المسألة مجرد توسع في المستوطنات، بل إعادة تشكيل للأرض نفسها.
الأرض تُقضم بالشبر، كما تُقضم القدس بالسنتيمتر، والأوصال التي يفترض أن تشكل جغرافيا سياسية واحدة تتقطع تدريجيًا، فيما يتحول الاستيطان من ظاهرة على الأرض إلى مشروع لإعادة تعريف الأرض ذاتها.
وهنا تبدو المقارنة التاريخية أكثر إلحاحًا.
فالضفة الغربية تواجه، في جوانب كثيرة، ما واجهته فلسطين خلال عهد الانتداب: مشروعًا يعمل على إعداد الأرض لواقع سياسي جديد، بينما ينشغل أصحاب الأرض في إدارة أزماتهم اليومية، وخلافاتهم السياسية، وصراعاتهم الداخلية.
المشكلة ليست أن الناس لا يرون الخطر.
المشكلة أن الرؤية لم تتحول إلى برنامج.
فالناس في الضفة يعيشون تحت ضغط الاحتلال والاستيطان والحواجز والاعتقالات وتضييق المجال الجغرافي والاقتصادي، بينما أصبحت السلطة السياسية، في كثير من الأحيان، أقرب إلى إدارة التفاصيل اليومية للمدن والمجتمع منها إلى امتلاك مشروع قادر على تغيير موازين الواقع.
لا أقول ذلك تحميلًا للناس مسؤولية ما يجري.
فالناس يدفعون الثمن الأكبر، وهم الذين يعيشون الخوف والفقدان والأسر ومصادرة الأرض، وهم الذين يواجهون يوميًا نتائج القرارات التي تُتخذ باسمهم.
لكن السؤال يبقى موجهًا إلى من يتولون مسؤولية القرار:
إلى أين؟
ما هو المشروع؟
ما هي الخطة؟
ما هي الأولويات؟
وكيف يمكن تحويل التعاطف الدولي، إن وجد، إلى ضغط سياسي حقيقي يحمي الأرض والإنسان بدل أن يبقى مجرد بيانات وتصريحات؟
لقد شهدنا على مدى عقود شرعيات دولية وقرارات ومؤتمرات ووعودًا ومبادرات، لكن المفارقة أن المساحة التي بقيت للفلسطينيين على الأرض كانت تتقلص، بينما كانت مساحة الاستيطان تتوسع.
وهنا لا يعود السؤال: لماذا لم يتحقق السلام؟
بل يصبح السؤال الأكثر قسوة:
ماذا حدث للأرض خلال السنوات التي كنا ننتظر فيها السلام؟
لقد دفع اللاجئون وضحايا المجازر ثمن المرحلة السابقة، وها هم أبناء الضفة اليوم يدفعون ثمن مرحلة جديدة من الاستيطان والاقتلاع والاعتقالات ومواجهة المستوطنين، فيما لا يزال الخلاف قائمًا حول الأولويات، وحول التمثيل، وحول شكل المواجهة، وحول من يملك القرار.
وهكذا نعود إلى السؤال الأول.
ماذا نريد؟
ليس السؤال ترفًا سياسيًا، ولا محاولة لإلقاء اللوم على الناس.
إنه سؤال وجودي.
فالشعوب التي تواجه مشاريع كبرى لا تستطيع أن تعيش إلى الأبد بردود الأفعال، ولا تستطيع أن تجعل إدارة الأزمة بديلًا عن صناعة المستقبل.
والمطلوب اليوم ليس خطابًا جديدًا بقدر ما هو رؤية جديدة؛ رؤية تجمع ما تفرق، وتعيد تعريف الأولويات، وتضع الأرض والإنسان والحقوق في مركز المشروع، وتتعامل مع الزمن باعتباره عنصرًا من عناصر الصراع، لا مساحة مفتوحة للانتظار.
لقد أخطأنا كثيرًا عندما اعتقدنا أن الوقت يعمل دائمًا لصالحنا.
الوقت لا يكون محايدًا عندما تتغير الحقائق على الأرض كل يوم.
ومن هنا، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن نختلف، فالاختلاف طبيعي، وإنما أن يصبح الاختلاف بديلًا عن الفعل، وأن تتحول إدارة الانقسام إلى سياسة، وإدارة الأزمة إلى مشروع، وانتظار الحل إلى استراتيجية.
بعد أكثر من قرن، لا تزال الأسئلة القديمة تطاردنا بأسماء جديدة.
والتاريخ لا يطلب منا أن نتذكره فقط، بل أن نتعلم منه.
فإما أن نمتلك خياراتنا، أو أن يختار الآخرون لنا.




مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى