استقلالية الجامعات في قانون التربية والتعليم الجديد

التاج الإخباري -

بقلم: د. ليث نصراوين.

مع دخول قانون التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية لسنة 2026 حيز النفاذ، وإلغاء قانون التعليم العالي والبحث العلمي، ثارت العديد من التساؤلات القانونية حول أثر هذه الخطوة التشريعية والإدارية على استقلالية الجامعات الأردنية، خاصة في ظل التحول الذي أحدثه القانون الجديد في الإطار المؤسسي الناظم لقطاع التعليم العالي، وإدراجه مع سائر المراحل التعليمية ضمن إطار تشريعي واحد.

ومن خلال قراءة معمقة لأحكام القانون الجديد ومقارنتها بقانون التعليم العالي والبحث العلمي الملغى، نجد أن المشرع الأردني قد حرص على ألا تؤثر عملية دمج وزارتي التربية والتعليم والتعليم العالي في كيان حكومي واحد على استقلال الجامعات في إدارة شؤونها. فإلغاء مجلس التعليم العالي لم يترتب عليه أي تغيير في المجالس القائمة داخل الجامعات أو نقل اختصاصاتها إلى الوزارة الجديدة، وإنما أعيد تنظيم الجهة التي تتولى رسم السياسات العامة واتخاذ القرارات التنظيمية المتعلقة بالتعليم العالي.

ويتمثل أول مظاهر هذا التوجه في تعريف التعليم العالي الوارد في المادة (2) من القانون، الذي ربط ما تقدمه مؤسسات التعليم العالي بأحكام قانون الجامعات الأردنية والتشريعات ذات العلاقة. وهذه الإحالة تؤكد أن التشريع الجديد لم يحل محل قانون الجامعات الأردنية، وإنما أبقاه التشريع الخاص الذي يحكم بنيتها ومجالسها وآليات إدارتها.

وفي الإطار ذاته، فإن إلغاء مجلس التعليم العالي وإنشاء مجلس التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية لم يحدث تحولا جذريا في طبيعة الصلاحيات التنظيمية التي تمارسها الدولة تجاه الجامعات، إذ انتقلت إلى المجلس الجديد اختصاصات كان يمارسها المجلس السابق، كالموافقة على إنشاء مؤسسات التعليم العالي وترخيص تخصصاتها، واعتماد موازنات الجامعات وحساباتها الختامية وتوزيع الدعم الحكومي على الجامعات الرسمية، ووضع السياسة العامة لقبول الطلبة ومراقبة تنفيذها. وعليه، فإن انتقال هذه الصلاحيات يمثل استمرارا للدور التنظيمي للدولة في قطاع التعليم العالي، ولا يشكل بذاته انتقاصا من استقلالية الجامعات.

ويظهر هذا الاستمرار أيضا في موقف المشرع الأردني من مبدأ استقلالية الجامعات ذاته. فقد كانت المادة (6) من قانون التعليم العالي والبحث العلمي الملغى تجعل من اختصاص مجلس التعليم العالي وضع الضوابط الكفيلة بالحفاظ على استقلالية مؤسسات التعليم العالي والعمل على تعزيزها، فجاءت المادة (10) من القانون الجديد لتحافظ على هذا الالتزام وتسنده إلى مجلس التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية، ضمن إطار يقوم على التشاركية والمساءلة والشفافية.

وفي المقابل، يتجسد تعزيز الاستقلال المؤسسي بصورة أوضح في الأحكام المتعلقة باختيار رؤساء الجامعات. ففي ظل القانون الملغى، كان تعيين رئيس الجامعة الرسمية يتم بإرادة ملكية سامية بناء على تنسيب مجلس التعليم العالي من بين ثلاثة مرشحين يوصي بهم مجلس الأمناء. أما القانون الجديد، فقد منح مجلس الأمناء دورا أكبر في هذا المجال، فأصبح التنسيب بتعيين رئيس الجامعة يصدر عنه، ليقوم مجلس التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية بالتنسيب إلى رئيس الوزراء بتعيينه وفقا لقانون الجامعات الأردنية. وهذا التغيير يكرس دور مجلس الأمناء في اختيار القيادة الجامعية، ويحد من الدور الذي كان يمارسه مجلس التعليم العالي في المفاضلة بين المرشحين.

وتتكامل هذه الصورة مع إبقاء القانون الجديد على آليات تعيين مجالس أمناء الجامعات الرسمية والخاصة وفقا لقانون الجامعات الأردنية؛ فلم يؤد إلغاء مجلس التعليم العالي إلى نقل إدارة الجامعات أو اختيار مجالسها وقياداتها إلى الوزير أو الوزارة المعنية، وإنما بقيت هذه المسائل مرتبطة بالمجالس الجامعية والتشريع الخاص الذي يحكمها.

كما حافظ القانون على خصوصية التعليم الجامعي رغم جمعه مختلف المراحل التعليمية، من رياض الأطفال إلى التعليم الثانوي بمساريه الأكاديمي والمهني والتقني، إذ أبقى التعليم العالي مرحلة مستقلة لها أحكامها الخاصة. وهو ما يؤكد أن تنظيم مراحل التعليم في إطار تشريعي ومؤسسي واحد لا يعني إخضاع الجامعات للقواعد ذاتها التي تحكم المؤسسات التعليمية الأخرى.

ولضمان استمرارية عمل قطاع التعليم العالي، ألغت المادة (28) من القانون الجديد قانون التعليم العالي والبحث العلمي، إلا أنها أبقت الأنظمة والتعليمات والقرارات الصادرة بمقتضاه نافذة إلى أن تعدل أو تلغى أو يستبدل غيرها بها، بما يحول دون حدوث فراغ تشريعي نتيجة الانتقال إلى التنظيم الجديد.

وخلاصة القول، إن دمج التعليم العالي ضمن المنظومة التعليمية لم يمس جوهر استقلالية الجامعات، بل حافظ القانون على ضماناتها التشريعية السابقة، وعزز في بعض الجوانب الدور المؤسسي لمجالس الأمناء. فالاستقلالية لا تعني انفصال الجامعات عن السياسة التعليمية للدولة، وإنما احتفاظها بمؤسساتها ومجالسها وصلاحياتها في إدارة شؤونها، مع خضوعها للسياسات الوطنية العامة ضمن الحدود التي يقررها القانون.


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى