الرسلاني: الأردن .. ذاكرة لا تغيّرها الأيام
التاج الإخباري -
بقلم: المهندس فواز فرحان الرسلانيمنذ أن وطئت قدماي أرض الأردن طالبًا في عام 2004، لم أكن أعرف أن سنوات الدراسة التي جئت من أجلها ستترك في نفسي أثرًا يتجاوز العلم والجامعة، وأن بلدًا أذهب إليه شابًا لأتعلم فيه، سيبقى بعد سنوات طويلة حاضرًا في ذاكرتي كأنه جزء من سيرة شخصية لا تكتمل بدونه.
درست الهندسة في الأردن، وعشت بين أهله، وعرفت مجتمعًا يفتح أبوابه للضيف ببساطة، ويمنحه من الترحيب والكرم ما يجعله يشعر سريعًا أنه ليس غريبًا. وهناك عرفت معنى «النشامى» كما لم أعرفه من قبل؛ فالنشامة ليست لقبًا يقال، وإنما ثقافة تظهر في الموقف، وفي طريقة استقبال الضيف، وفي الشهامة عند الحاجة، وفي الاعتزاز بعادات وتقاليد ظلت حاضرة في تفاصيل المجتمع دون تكلف أو ادعاء.
غادرت الأردن بعد سنوات الدراسة، لكن علاقتي به لم تنتهِ. عدت إليه مرارًا، وفي كل زيارة كنت أجد أن الأشياء الجميلة لا تغيرها السنوات، خاصة في مجتمع شديد التمسك بقيمه وهويته.
ولذلك، وأنا أتابع اليوم مواقف الأردن وسط هذه المرحلة الإقليمية المضطربة، أجدني أراها من زاوية مختلفة؛ زاوية من عرف الأردن قبل أن تتبدل كثير من خرائط المنطقة وحساباتها. فثبات الموقف الأردني تجاه أمن الأشقاء ليس مفاجئًا لمن عرف طبيعة هذا المجتمع وقيادته. والأردن لا يمكن أن ينظر إلى أمن الخليج باعتباره شأنًا بعيدًا عنه، ولا أن يقبل بأن تتحول دول الخليج وشعوبها إلى أوراق ضغط في صراع إقليمي أو دولي، خصوصًا حين تتجاوز الهجمات الأهداف العسكرية لتطال مواقع مدنية وخدمية وحيوية.
ومن هنا تبدو العلاقة الأردنية - الكويتية واحدة من الصور التي تختصر معنى الأخوة العربية حين تتجاوز حدود السياسة. فهي علاقة عرفت الاستمرار عبر عقود، واستندت إلى روابط تاريخية وإنسانية عميقة، وإلى احترام متبادل جعلها أكثر قدرة على الصمود أمام تغير الظروف.
والمعنى نفسه أراه في الموقف الأردني من غزة وفلسطين. فالأردن لم يكتفِ بأن يكون حاضرًا في الخطاب السياسي، بل واصل جهوده لإيصال المساعدات وإغاثة المدنيين، وتحرك دوليًا دفاعًا عن الحقوق الفلسطينية، في وقت شديد الحساسية، تدفع فيه الجغرافيا والسياسة الأردن إلى حسابات دقيقة ومعقدة. وفي ذلك كله أرى شيئًا من الأردن الذي عرفته: دولة لا تملك رفاهية المواقف السهلة، لكنها لا تتخلى عن البعد الإنساني والقومي في مواقفها.
ولأنني كنت طالبًا هناك، فإن حديثي عن التعليم ليس حديث مراقب من بعيد. لقد اختبرت بنفسي البيئة الجامعية، ورأيت ما يقدمه الأردن في التعليم، كما لمست ما يتمتع به من تجربة مميزة في قطاعات الصحة والخدمات. لكن، رغم كل ذلك، يبقى الإنسان هو أكثر ما أحتفظ به من تلك السنوات.
وربما لهذا السبب بقيت صورة القيادة الأردنية قريبة إلى نفسي؛ ما رأيته من تواضع وقرب من الناس، وما لمسته من حرص على أن تبقى الدولة متصلة بمجتمعها، وعلى أن تظل الهوية العربية والعادات والتقاليد والإرث الثقافي جزءًا من صورة الأردن الحديثة.
ومنذ عام 2004 وحتى اليوم، تغيرت المنطقة كثيرًا، لكن صورة الأردن في ذاكرتي لم تتغير.
ولا تزال لدي أمنية شخصية أحتفظ بها منذ سنوات: أن أحظى يومًا بفرصة لقاء جلالة الملك عبدالله الثاني أو سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، لأقول كلمة تقدير من القلب؛ تقديرًا لبلد عرفته طالبًا، ثم عدت إليه زائرًا ومحبًا، ولقيادة أراها حريصة على شعبها، وعلى قضايا أمتها، وعلى أن يبقى الأردن وفيًا لأشقائه.
فبعض الأوطان لا تحتاج إلى أن تحمل جنسيتها كي تشعر بالانتماء إلى ذكرياتها.
والأردن، بالنسبة إليّ، واحد من تلك الأوطان؛ بلد النشامى، الذي تعلمت فيه أن الشهامة ليست كلمة، وأن الوفاء ليس موقفًا عابرًا، بل طريقة حياة.
الرجاء الانتظار ...