الرواشدة تكتب: الهوية الأردنية .. انتماءٌ راسخ، لا مادةٌ للترند
التاج الإخباري -
بقلم: أ.د. ميساء نصر الرواشدةفي المجتمعات المستقرة، لا تكون الهوية موضوعًا نحتاج إلى إثباته كل يوم؛ لأنها تعيش في وجدان الناس، وتظهر في انتمائهم وسلوكهم ومسؤوليتهم تجاه وطنهم. والخطر لا يكمن في تنوع الأصول والثقافات، بل في تحويل هذا التنوع إلى مادة للجدل والاستقطاب بحثًا عن التفاعل والمشاهدات.
ومن هذا المنطلق، أتابع باستغراب ما يظهر مؤخرًا من منشورات وفيديوهات لبعض المتفلسفين من ناشري المحتوى، وأؤكد على وصفهم بالناشرين لا صنّاع المحتوى؛ لأن صناعة المحتوى تحتاج إلى معرفة ومهارة ومهنية، والأهم مسؤولية تجاه المجتمع.
يتحدث بعضهم بإلحاح عن الهوية الأردنية وضرورة إبرازها والمحافظة عليها، وكأننا نعيش خارج الأردن ونحاول إعادة أبنائنا إلى هوية وطنهم الأم!
نحن نعيش في الأردن؛ وطن له تاريخ وهوية راسخة في وجدان أبنائه، على اختلاف أصولهم ومنابتهم. نحن جميعًا أردنيون انتماءً وهوى، وإن تنوعت جذورنا؛ لأننا نلتقي عند حقيقة واحدة: لا ملاذ لنا إلا الوطن، ولا مكان يتسع لنا جميعًا إلا الأردن.
لذلك أتساءل: لماذا هذا الإصرار، وفي هذا التوقيت تحديدًا، على إثارة موضوع الهوية والهويات الفرعية؟ وهل هي فعلًا من القضايا الملحّة التي يحتاجها مجتمعنا اليوم؟
إن التعددية والتنوع وثراء الثقافات عناصر قوة وليست تهديدًا للهوية الوطنية. فالهوية الجامعة لا تلغي الخصوصيات الاجتماعية والثقافية، وإنما تحتضنها في إطار الانتماء المشترك للوطن.
وأخشى أن يتحول الحديث عن الهوية إلى مجرد "ترند" لتحقيق المشاهدات، حتى لو كان الثمن إثارة حساسيات لا يحتاجها مجتمعنا أو فتح أبواب للاستقطاب تمسّ وئامه واستقراره.
وإذا كنا نبحث عن قضايا تستحق أن تتصدر منصات التواصل، فلماذا لا نتحدث عن احترام الوقت والقانون، وثقافة العمل والإنتاج، والابتكار والريادة؟ لماذا لا نناقش الإسراف والمبالغة في الإنفاق على المناسبات الاجتماعية، أو معاناة الشباب في تأسيس حياتهم وأسرهم في ظل ارتفاع تكاليف الزواج والسكن؟
هذه قضايا تستحق أن تتحول إلى "ترند".
أما هويتنا الأردنية، فهي راسخة ولا تحتاج إلى امتحان يومي لإثباتها. وفي الوقت ذاته، فإن الاعتزاز بالرموز الفلسطينية والتمسك بالهوية والثقافة الفلسطينية لا ينتقصان من أردنيتنا ولا يتعارضان معها؛ فالحفاظ على الهوية الفلسطينية هو حفاظ على فلسطين وذاكرتها العربية، وعلى القدس، مسرى الرسول ﷺ، والمسجد الأقصى المبارك.
كما لا يمكن الحديث عن الأردن وفلسطين بمعزل عن عمق الروابط الاجتماعية والإنسانية وعلاقات النسب والمصاهرة والقرابة التي جمعت العائلات على ضفتي نهر الأردن منذ أجيال، وهي روابط تمتد في فضاء بلاد الشام التي عرفت تاريخيًا حركة الناس والعائلات والتجارة والتواصل والمصاهرة بين مدنها وقراها.
فكم من عائلة أردنية لها أقارب وأنساب في فلسطين وسوريا ولبنان، وكم من عائلة فلسطينية امتدت صلاتها العائلية والاجتماعية إلى الأردن وبقية بلاد الشام. وهذه الروابط لا تنتقص من الهوية الوطنية لأي دولة؛ بل تؤكد أن رسوخ الهوية الوطنية لا يتعارض مع روابط التاريخ والقرابة والثقافة المشتركة.
ولذلك، فإن تصوير الاعتزاز بفلسطين ورموزها وكأنه منافس للهوية الأردنية يتجاهل عمق العلاقة بين الشعبين؛ فهي لم تُبنَ على السياسة وحدها، وإنما عززتها عبر الزمن روابط الدم والنسب والمصاهرة والجوار والتاريخ والثقافة والمصير المشترك.
الأوطان الواثقة من هويتها لا تخشى التنوع، والمجتمعات القوية لا تبحث عمّا يفرّق أبناءها، بل عمّا يجمعهم ويدفعهم إلى الأمام.
فلنوجّه نقاشنا وطاقتنا إلى ما يجعل الأردن أقوى وأكثر إنتاجًا وتقدمًا وتماسكًا؛ فالأردنية ليست شعارًا نتنافس في رفعه، ولا مادة للترند والمزايدة، بل انتماء نترجمه عملًا ومسؤولية.
الأردن وطننا الذي يجمعنا ويتسع لنا جميعًا، وتنوعنا مصدر ثراء وقوة، لا سببًا للفرقة والانقسام.
الرجاء الانتظار ...