لقد فاز الرئيس حسان
التاج الإخباري -
بقلم: البرفسور عبدالله سرور الزعبيفي السياسة، هناك لحظات فاصلة تكشف معدن القرار السياسي؛ لحظات يُختبر فيها رئيس الحكومة بين خيارين: الانصياع لضغط الأمر الواقع، أو الإصغاء لنبض الشارع وتصحيح المسار قبل أن يتحول الخلل إلى أزمة ثقة. وفي الأسابيع الأخيرة، وقف رئيس الوزراء أمام اختبار من هذا الطراز، حين اصطدم تصويت برلماني حساس يتعلق بأراضي المواطنين بموجة غضب شعبي واسعة، فجاء قرار الحكومة سريعًا وحاسمًا لتصحيح المسار، في مشهد سياسي واقتصادي واجتماعي يستحق التوقف عنده بعناية وأناة.
ولم يأتِ هذا الحسم من فراغ، بل جاء استمرارًا لنهج رئيس الحكومة بالمتابعة الميدانية والوقوف على الحقيقة، نهج قائم على السعي لتحفيز الاستثمار وتوسيع قاعدة الحوافز الصناعية في المحافظات كافة. فقد منح مجلس الوزراء مدينة الروضة الصناعية التابعة لمنطقة معان التنموية حوافز ومزايا استثمارية، أسوة بما مُنح لمدينتي الكرك والطفيلة الصناعيتين، في خطوة تهدف إلى تعميم فرص التنمية على المحافظات الأقل حظًا من الاستثمار. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ وافقت الحكومة على صرف مستحقات المنشأت الصناعية عن قيمة صادراتها، وهي مستحقات متراكمة منذ سنوات سابقة، في رسالة واضحة مفادها أن الحكومة تسعى للوفاء بالتزاماتها المتراكمة تجاه القطاع الخاص، لا الاكتفاء بالإعلان عن حوافز جديدة تبقى حبرًا على ورق. وتأتي هذه الخطوات في سياق رؤية اقتصادية أوسع، إذ تخطط الحكومة لتنفيذ حزمة مشاريع تنموية كبرى في قطاعات الطاقة والمياه والنقل، مع توقعات بارتفاع النمو الاقتصادي من 2.7% في عام 2025 إلى ما يتجاوز 3% في عامي 2027 و2028.
غير أن ارقام الاقتصاد وحدها لا تبني الثقة، فالمواطن لا يقيس انجازات الحكومة بالأرقام الكلية فحسب، بل بما يلمسه في تفاصيل حياته اليومية: أرضه، بيته، مصدر رزقه. وهنا بالضبط برز الجانب الاجتماعي كاختبار حقيقي. فحين وافق مجلس النواب على ان يضيف سكك الحديد إلى تعريف الطرق ضمن مشروع قانون الملكية العقارية، لم يكن الأمر مجرد نص قانوني عابر، بل كان يعني عمليًا خضوع أراضي مسار سكة الحديد لأحكام "الربع القانوني"، أي اقتطاع جزء من أراضي المواطنين دون تعويض مادي. والأرقام هنا تكشف حجم الأثر الإنساني للقرار: أكثر من 3400 دونم شملها الاستملاك، منها أكثر من 2000 دونم تخص عائلات أردنية ورثتها جيلًا بعد جيل، أراضٍ يصفها أصحابها بأنها "عرق ودم وخبز" لا مجرد رقم في سجل عقاري.
وهذا الوصف ليس مبالغة إنشائية، بل هو أقرب ما يكون إلى الحقيقة الجيولوجية والمعيشية لهذه الأرض بالذات. فوادي عربة، وامتداده نحو غور الصافي وفيفا القريبة من ساحل البحر الميت الجنوبي، ليس مجرد خط على خارطة، بل أرض عرفتُها متر متر خلال سنوات عملنا فيها في مسوحات جيوفيزيائية لسبر أغوار طبقاتها الجيولوجية بحثًا عن المياه الجوفية والمعادن الكامنة تحت سطحها. تلك التربة التي تتشقق تحت وطأة الشمس صيفًا، والطبقات الجوفية الهشة التي يعتمد عليها آلاف المزارعين في ري بساتين النخيل والخضراوات، ليست موردًا نظريًا يُختصر في تقرير رسمي، بل نظام حياة دقيق التوازن؛ اضطراب بسيط في مسار المياه أو في الملكية يمكن أن يقلب معيشة عائلات بأكملها. من يعرف هذه الأرض عن قرب، حفرة حفرة وخط مسح جيوفيزيائي إثر خط مسح اخر، يدرك أن قلق المزارعين هناك من فقدان أراضيهم ومصادر رزقهم ليس تخوفًا مبالغًا فيه، بل إدراك عميق لهشاشة توازن بيئي واقتصادي بُني بصبر أجيال.
وقد سبق أن حذّرت منظمات أردنية من التبعات الاجتماعية لمشاريع مشابهة في مناطق كغور الصافي وفيفا، مشيرة إلى أن كثيرًا من المزارعين يعيشون قلقًا بالغًا إزاء فقدان أراضيهم، وهو ما يهدد دخلهم وأمنهم المعيشي، والأمن الغذائي في الدولة الأردنية، كما يفاقم من نسب الفقر والبطالة في مجتمعاتهم المحلية. كما وثّقت تقارير صحفية معاناة عائلات في مناطق اخرى انتظرت لسنوات تعويضات مستحقة عن أراضٍ استُملكت منها، بينما تعطلت قدرتها على التصرف حتى بالأجزاء المتبقية من أملاكها، فتراكمت عليها خسائر مادية متواصلة جراء التأخير.
في هذا المناخ المتوتر، بدا التعديل النيابي وكأنه يعمق جرح كان قد انفتح من غياب الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، إذ اعتبره كثيرون تجاوزًا للحماية الدستورية للملكية الخاصة، ووصفته أصوات شعبية بأنه محاولة لتمرير مصادرة منظمة للأراضي لصالح مشروع استثماري، فيما تساءل مراقبون عن مبررات السماح باقتطاع ربع أراضي المواطنين دون مقابل. وقد لخّص المحلل الاقتصادي منير أبو دية جوهر الأزمة حين قال إن النقاش النيابي أظهر أن النواب لم يكونوا، في هذا القانون تحديدًا، إلى جانب المواطنين.
وهنا بالضبط جاء الفارق الحقيقي الذي حوّل مسار الأزمة بالكامل. فبدلًا من ترك الجدل يتفاقم ويتحول إلى قضية رأي عام تلاحق رئيس الحكومة، تحرك مجلس الوزراء بسرعة لافتة، وأقرّ آلية تعويض كامل ومبادلة للأراضي المستملكة لصالح مشروع سكة حديد العقبة وتوسعة البوتاس، وهي من أكبر المشاريع الاستراتيجية في المملكة. وتقضي الآلية بعدم خصم الربع القانوني الذي تتضمنه التعديلات الجديدة، حتى لو استغرقت إجراءات الاستملاك وقتًا طويلاً. وفي حال لم يرغب صاحب الأرض بخيار المبادلة، يُستكمل تعويضه الكامل وفق القانون النافذ لسنة 2019، بمعزل عن التعديلات المطروحة أمام البرلمان. ما يعني أن الحكومة اختارت أن تتحمل الكلفة المالية الكاملة بدل تمريرها على حساب المواطن. وهو ما وصفه أبو دية بدقة حين قال إن الحكومة كانت، بقرارها الأخير، أقرب إلى الشارع والمواطن من مجلس النواب، معتبرًا أنها أنصفت أصحاب الأراضي والمزارعين.
ولم يكن الفارق بين الموقفين شكليًا، بل انعكس مباشرة على نبض الشارع. فبينما قوبل تصويت النواب بموجة استياء واسعة، ورأى فيه كثيرون تفريطًا بحق دستوري أساسي وتحميلًا لفئة محدودة من المواطنين كلفة مشروع وطني يستفيد منه الجميع، جاء قرار الحكومة ليمتص هذا الغضب ويحوّله إلى تقدير. فالفارق بين اقتطاع أرض المواطن دون مقابل وتركه "بجثة أرض" على حد تعبير بعض المتضررين، وبين تعويضه الكامل عن كل متر يُستملك منه أو منحه أرضًا بديلة تُبقي على مصدر رزقه الزراعي، هو فارق بين شعوره بأنه ضحية مشروع وطني (رغم اهميته الاستراتيجية) وشعوره بأنه شريك فيه. هذا التمييز ليس تفصيلًا هامشيًا، بل هو جوهر ما تقوم عليه فكرة العدالة الاجتماعية في أي مشروع تنموي: أن يُشعر المواطن، لا سيما الفلاح المرتبط بأرضه ارتباطًا وجوديًا، بأن الدولة تحميه ولا تقتطع منه، وأن التنمية تُبنى بمعيّته لا فوق رأسه.
وهذا بالضبط ما يفسر لماذا تحمل هذه المحطة دلالة أكبر من كونها مجرد تسوية إدارية لملف عقاري. فحين يرى المواطن أن الحكومة تتدخل لتصحيح خلل يمسّ بيته وأرضه، فإن ذلك يرمم جزءًا من الفجوة التي طالما فصلت بين القرار الرسمي وواقع الناس اليومي. الثقة، وهي في جوهرها، لا تُبنى بالخطابات، بل بلحظات كهذه، حين يشعر المواطن أن هناك من يسمع صوته قبل أن يتحول الغضب إلى ما يشبه القطيعة. وقرار التعويض الكامل، بهذا المعنى، لم يكن مجرد إجراء مالي، بل جسرًا أعاد ترميم حبل الثقة الذي كاد ان ينقطع بين المزارع صاحب الأرض والحكومة التي يُفترض أن تحميه، وبين المواطن العادي الذي يراقب من بعيد كيف تُدار القضايا حين تتقاطع مع مشاريع التنمية الكبرى رغم اهميتها الاستراتيجية.
ولم يكن انتصار الرئيس حسان في هذه المحطة انتصارًا شخصيًا بقدر ما كان انتصارًا لمبدأ أن القرار الرشيد لا يُقاس بسرعته فقط، بل بقدرته على الإصغاء والتصحيح. فبين تصويت اثار قلق المواطنين وهدد أمنهم المعيشي والغذائي، وقرار حكومي أعاد لهم الطمأنينة وصان حقهم في أرضهم، رسمت الحكومة برئيسها معادلة واضحة: التنمية لا تُبنى على حساب حقوق الناس، بل بالشراكة معهم، وهو تطبيق مباشر لتوجيهات جلالة الملك. وإذا كانت الثقة أثمن ما يمكن أن تكسبه أي حكومة، وأصعب ما يمكن استعادته بعد فقدانه، فإن حكومة جعفر حسان، بهذا القرار، أثبتت أنها تدرك أن الطريق إلى الإنجاز يمر حتمًا عبر بوابة العدالة الاجتماعية أولًا، وأن كسب ثقة المواطن أثمن استثمار يمكن لأي حكومة أن تحققه. ولتعزيز هذه الشعور لدى المواطنين، على الحكومة ان تكون دقيقة في ارقامها الاحصائية في قطاع المياه ومشروع الناقل الوطني، وارقام احتياطات وانتاج غاز الريشة وغيرها من القطاعات، وان تعمل على توحيدها وتدعيمها بالدراسات الواضحة، استجابة لمبدأ الحوكمة والشفافية.
الرجاء الانتظار ...