لماذا بقي الأردن متماسكًا بينما تهتز من حوله المنطقة؟

التاج الإخباري -

همام فريحات.

الروسان لـ"التاج": جلالة الملك قرأ مستقبل الحروب قبل أن تشتعل المنطقة

الروسان لـ"التاج": استراتيجية الملك سبقت تحولات المنطقة ورسخت قوة الأردن في زمن المتغيرات

أكد الخبير العسكري والاستراتيجي العميد الركن المتقاعد أيمن الروسان أن قراءة السياسة التي انتهجها جلالة الملك عبدالله الثاني خلال السنوات الماضية لا تكتمل إذا اقتصرت على الاتفاقيات العسكرية، بل يجب النظر إليها باعتبارها جزءًا من رؤية استراتيجية متكاملة هدفت إلى بناء الدولة وتعزيز قدرتها على مواجهة تحديات المستقبل قبل وقوعها.

وقال الروسان في حديثه لـ"التاج الاخباري " إن جلالة الملك اعتمد منذ سنوات نهجًا يقوم على استشراف التحولات الإقليمية والدولية، والعمل على إعداد الأردن لمواجهة بيئة أمنية متغيرة، مؤكدًا أن القيادات الاستراتيجية لا تنتظر الأزمات حتى تتحرك، وإنما تبني عناصر القوة الوطنية مسبقًا.

وأوضح أن التطورات العسكرية الأخيرة أثبتت أن مفهوم القوة تغيّر بصورة كبيرة، فلم يعد يُقاس بعدد الجنود أو حجم الترسانة العسكرية فقط، بل أصبح يرتبط بقدرة الدولة على سرعة اتخاذ القرار، وكفاءة منظومات الدفاع الجوي، وتطور القدرات الاستخبارية، والحرب الإلكترونية، والطائرات المسيّرة، إضافة إلى القدرة على التنسيق والعمل مع الحلفاء عند الحاجة.

وأشار إلى أن القوات المسلحة الأردنية شهدت خلال السنوات الماضية عمليات تطوير وتحديث متواصلة، وهو ما يعكس رؤية ملكية مبكرة أدركت طبيعة الحروب الحديثة قبل أن تصبح واقعًا تشهده المنطقة.

وأضاف الروسان أن سياسة تنويع الاتفاقيات والشراكات لم تكن خيارًا مؤقتًا، وإنما جاءت ضمن استراتيجية واضحة تقوم على أن الدولة التي تعيش في بيئة إقليمية مضطربة لا ينبغي أن تعتمد على شريك واحد أو مصدر واحد للدعم والتسليح، لذلك حرص الأردن على بناء علاقات متوازنة مع الولايات المتحدة، ودول الخليج، وبريطانيا، إلى جانب عدد من الدول العربية والإسلامية والآسيوية، بما يحافظ على استقلال القرار الوطني ويوفر تعددًا في الخيارات.

وبيّن أن هذه السياسة منحت الأردن مرونة كبيرة في التعامل مع الأزمات، إذ أصبح يمتلك القدرة على التواصل مع مختلف الأطراف دون الارتهان لأي محور، وهو ما عزز من مكانته الإقليمية وقدرته على حماية مصالحه الوطنية.

ولفت إلى أن المواجهات العسكرية التي شهدتها المنطقة خلال الفترة الأخيرة أكدت أن الدول التي استثمرت مبكرًا في تطوير قدراتها الدفاعية وبناء شبكات تعاون واسعة كانت الأكثر قدرة على حماية أمنها واستقرارها، وهو ما يعكس أهمية الرؤية الاستباقية التي انتهجها جلالة الملك.

وحول الزيارات التي أجراها جلالة الملك إلى باكستان وإندونيسيا وعدد من الدول خلال العام الماضي، أوضح الروسان أنها لا يمكن اختزالها في إطارها البروتوكولي، بل تندرج ضمن سياسة أردنية تهدف إلى توسيع الشراكات مع الدول المؤثرة سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا، بما يمنح الأردن مساحة أوسع للحركة في ظل عالم يتجه نحو تعدد مراكز القوة. وأضاف أنه لا يمكن الجزم بارتباط تلك الزيارات بالأحداث التي وقعت لاحقًا، إلا أنها تنسجم مع نهج ثابت يقوم على استشراف المستقبل وبناء العلاقات قبل الحاجة إليها.

وأكد أن رؤية جلالة الملك للأمن الوطني ترتكز على أن بناء القوة يبدأ قبل اندلاع الأزمات، ولذلك أولى اهتمامًا كبيرًا بتحديث القوات المسلحة، وتعزيز التدريب المشترك، وتطوير القدرات التكنولوجية، وإقامة شراكات استراتيجية متوازنة، مع الحفاظ في الوقت ذاته على سياسة أردنية معتدلة ترفض الانخراط في المحاور والصراعات التي تستنزف الدول.

وأشار الروسان إلى أن هذه الرؤية لم تقتصر على الجانب العسكري، بل شملت بناء عناصر القوة الوطنية الشاملة، من خلال دعم الاقتصاد، وتعزيز كفاءة المؤسسات، والاستثمار في الإنسان الأردني، والاهتمام بالقوات المسلحة والأجهزة الأمنية والمتقاعدين العسكريين، باعتبارهم جزءًا أساسيًا من منظومة حماية الدولة وتعزيز مناعتها.

وأضاف أن الاتفاقيات والشراكات، مهما بلغت أهميتها، لا يمكن أن تكون بديلًا عن جيش محترف، وأجهزة أمنية قوية، ومجتمع واعٍ يدرك طبيعة التحديات، مؤكدًا أن تطوير القوات المسلحة والاستفادة من الخبرات الوطنية المتراكمة سيبقى خط الدفاع الأول عن أمن الأردن واستقراره.

وختم الروسان حديثه للتاج بالتأكيد على أن ما يشهده الأردن اليوم يعكس نجاح النهج الاستراتيجي الذي يقوده جلالة الملك عبدالله الثاني، والقائم على قراءة مبكرة للمتغيرات، وبناء القوة قبل الحاجة إليها، وتوسيع الخيارات، وعدم الارتهان لطرف واحد، وهو ما أسهم في ترسيخ استقرار المملكة وتعزيز قدرتها على حماية مصالحها الوطنية وسط واحدة من أكثر البيئات الإقليمية تعقيدًا واضطرابًا.




مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى