مطالبات بمراجعة معايير الطاقة الاستيعابية للجامعات بالأردن
التاج الإخباري -
يتجدد الجدل في الأردن مع كل موسم قبول جامعي حول مدى التزام الجامعات بطاقتها الاستيعابية المعتمدة لتخصصاتها، ولا سيما في كليات الطب وطب الأسنان التي تشهد إقبالا كبيرا من الطلبة الحاصلين على معدلات مرتفعة.ورغم أن الطاقة الاستيعابية تشكل المرجعية الأساسية لتحديد أعداد المقبولين في الجامعات، فإن الجدل لا يغيب مع كل موسم قبول جامعي، لا سيما في كليات الطب وطب الأسنان التي تشهد طلبا يفوق عدد المقاعد المتاحة.
وفي وقت تؤكد فيه وزارة التعليم العالي وهيئة الاعتماد أن أي زيادة في أعداد المقبولين قد تنعكس على جودة التعليم والتدريب السريري، تطرح تخوفات حول مدى التزام الجامعات فعليا بالطاقة الاستيعابية بمختلف التخصصات، وأسباب التشدد في تطبيقها على كليات الطب مقارنة بغيرها.
ووفقا لسياسة القبول في مؤسسات التعليم العالي، فإن أعداد المقبولين في كل تخصص تُحدد استنادا للطاقة الاستيعابية التي تقرها هيئة اعتماد مؤسسات التعليم العالي وضمان جودتها، فيما يتولى مجلس التعليم العالي سنويا إقرار أعداد المقبولين في الجامعات الرسمية بما ينسجم مع تلك الطاقات، إلى جانب الأخذ بعين الاعتبار احتياجات سوق العمل وتوصيات الجامعات. وللعام الجامعي 2025-2026، أقر المجلس قبول 38.131 طالبا وطالبة، في مرحلة البكالوريوس ضمن البرنامج العادي، إضافة إلى 7.990 طالبا وطالبة في مرحلة الدبلوم المتوسط، مؤكدا التزامه بالطاقات الاستيعابية المعتمدة، فيما تسمح سياسة القبول للجامعات بقبول طلبة في البرنامج الموازي بما لا يتجاوز 30 % من عدد المقبولين في البرنامج العادي في كل تخصص، إضافة إلى الطلبة الوافدين.
وفي الوقت ذاته، واصل المجلس تنفيذ خطته التدريجية لتخفيض أعداد المقبولين في تخصصي الطب وطب الأسنان وصولا إلى الحدود التي تسمح بها الطاقة الاستيعابية، مؤكدا أن هذه التخصصات تخضع لمعايير اعتماد خاصة تختلف عن بقية التخصصات، إذ لا ترتبط بعدد القاعات الدراسية فحسب، وإنما بتوافر أعضاء هيئة التدريس، والمختبرات، والمستشفيات التعليمية، وفرص التدريب السريري ونسب الطلبة إلى المشرفين، باعتبارها عوامل أساسية لضمان جودة التعليم الطبي.
وبينما تؤكد الجهات الرسمية أن الالتزام بهذه المعايير يهدف للحفاظ على جودة مخرجات التعليم، يثير ذلك تساؤلات متجددة حول مدى التزام جميع الجامعات بسقوف القبول المعتمدة، وما إذا كانت البرامج الموازية أو الاعتبارات المالية تؤثر في أعداد المقبولين، خاصة في التخصصات ذات الطلب المرتفع.
وأجمعت آراء الأكاديميين والخبراء على أن الالتزام بالطاقات الاستيعابية يمثل أحد أهم الضمانات للحفاظ على جودة التعليم العالي، ولا سيما في التخصصات الطبية التي تعتمد على التدريب السريري والإمكانات البشرية والمادية.
ورغم اتفاقهم على ضرورة التشدد في تطبيق معايير الاعتماد، فإنهم شددوا في الوقت ذاته على أن تحديد أعداد المقبولين يجب أن يستند لدراسات علمية محدثة تأخذ بعين الاعتبار احتياجات سوق العمل، وقدرات الجامعات، والبنية التحتية، وعدد أعضاء هيئة التدريس والمستشفيات التعليمية.
ويرى الأكاديمي د.إسلام مساد أن ملف الطاقات الاستيعابية يحتاج إلى مراجعة دورية ومستمرة، معتبرا أن المعايير الناظمة لها يجب أن تتطور بما يواكب المتغيرات في احتياجات سوق العمل، والبنية التحتية للجامعات، وأعداد أعضاء هيئة التدريس ومؤهلاتهم، فضلا عن المرجعيات والمعايير العالمية الخاصة بكل تخصص.
وأكد أن ما يصلح لتحديد الطاقة الاستيعابية في تخصصات العلوم الإنسانية لا يمكن تطبيقه بالمعايير ذاتها على تخصصات مثل الهندسة أو الطب، مشيرا إلى أن هيئة اعتماد مؤسسات التعليم العالي تأخذ بعض هذه الجوانب بعين الاعتبار، إلا أن هناك عناصر أخرى ما تزال بحاجة إلى مراجعة شاملة.
واعتبر أن الإشكالية لا تكمن بتحديد الطاقات الاستيعابية بحد ذاته، وإنما بالالتزام بها، لافتا إلى أن الجامعات الرسمية تواجه هذه المشكلة أكثر من نظيرتها الخاصة.
وأوضح أن الجامعات ترفع مقترحاتها المتعلقة بالطاقة الاستيعابية استنادا إلى تقارير تعدها مراكز الاعتماد وضمان الجودة فيها، إلا أن أعداد المقبولين ضمن القبول الموحد، إلى جانب المقبولين ضمن فئات أخرى مثل أبناء العاملين والبرنامج الموازي، قد تتجاوز في بعض الأحيان الأعداد التي طلبتها الجامعات، ما يضعها أمام خيارين أحلاهما مر إما استيعاب الطلبة عبر تعيين أعضاء هيئة تدريس جدد وتوفير إمكانات إضافية تفوق قدراتها المالية، أو مخالفة معايير الاعتماد والتعرض لإجراءات قد تصل إلى إيقاف القبول في بعض التخصصات.
وأضاف أن هذه العلاقة "غير صحية" بين الجهات المعنية بالقبول والجامعات، معتبرا أن المسؤولية الأساسية عن تجاوز الطاقات الاستيعابية في الجامعات الرسمية تقع على آلية القبول الموحد التي قد تقبل أعدادا أكبر من تلك التي طلبتها الجامعات، بخلاف الجامعات الخاصة التي تتولى القبول المباشر، الأمر الذي يجعلها بحسب رأيه، أكثر قدرة على الالتزام بالطاقات الاستيعابية المعتمدة، مع إمكانية طلب تعديلها وفق الإجراءات الرسمية عندما تتوافر لديها الإمكانات اللازمة.
من جانبه، أكد عضو مجلس هيئة اعتماد مؤسسات التعليم العالي وضمان جودتها د.زيد بشاير، أن كليات الطب شهدت خلال السنوات الماضية تجاوزات في أعداد المقبولين مقارنة بالطاقات الاستيعابية المعتمدة، نتيجة الارتفاع الكبير في الطلب على دراسة الطب، إلى جانب حاجة بعض الجامعات إلى تعزيز مواردها المالية، لا سيما أن رسوم دراسة الطب تعد من أعلى الرسوم الجامعية، خاصة في الكليات المستحدثة.
وبين أن هذه التجاوزات دفعت الجهات المعنية خلال السنوات الأخيرة إلى اتخاذ إجراءات لتقنين أعداد المقبولين، عبر إعادة احتساب الطاقات الاستيعابية القصوى لكليات الطب وفق معايير الاعتماد، التي تستند إلى عدد أعضاء هيئة التدريس، والمختبرات، والإمكانات التعليمية والتدريبية المتاحة.
وأشار إلى أن من بين هذه المعايير تخصيص عضو هيئة تدريس لكل ثمانية طلبة، بما يضمن الحفاظ على جودة العملية التعليمية والتدريب السريري.
ونوه إلى أن هيئة الاعتماد لا تمنح الجامعات صلاحية تحديد أعداد المقبولين بشكل منفرد، وإنما ترفع توصياتها إلى مجلس التعليم العالي، الذي يتخذ القرار النهائي بشأن الطاقات الاستيعابية والقبول.
وأضاف أن التجاوزات التي كانت تسجل في السابق أصبحت محدودة، وأن الجامعات تشهد اليوم مستوى أعلى من الالتزام بالطاقات الاستيعابية، خاصة في كليات الطب، لافتا إلى أن برامج الطب في الجامعات الأردنية معتمدة وفق معايير الاتحاد العالمي للتعليم الطبي (WFME)، وهو ما يعكس بحسب قوله، التزام الجامعات بمعايير الجودة الدولية، ولا سيما فيما يتعلق بتناسب أعداد الطلبة مع أعضاء هيئة التدريس والإمكانات المادية والبشرية، الأمر الذي أسهم في تعزيز جودة التعليم الطبي، وانعكس على قدرة خريجي الطب الأردني على المنافسة والحصول على فرص عمل وتدريب في مستشفيات مرموقة داخل المملكة وخارجها.
الرجاء الانتظار ...