5 أساطير يكشفها الأرشيف البريطاني .. هل خُدع الأمريكيون برواية استقلالهم؟
التاج الإخباري -
مع تجدد ذكرى الاستقلال في الولايات المتحدة الأمريكية، يُعيد الأمريكيون سرد قصة مألوفة حول حيثيات استقلال بلادهم، ومع التكرار تصبح حيثيات تلك القصة من المسلمات التي لا تقبل الجدل.تقول الرواية الشائعة إن شعبا موحدا انتفض ضد ملك مجنون، هو ملك بريطانيا جورج الثالث، وأعلن مجموعة من الحقائق البديهية، ونال حريته من الاضطهاد البريطاني.
وقد تكررت هذه الرواية هذه الأيام في الذكرى الـ250 للاستقلال التي تصادف الرابع من يوليو/تموز من كل عام، لكن تقريرا في مجلة نيوزويك يرى أن الوثائق التي يتضمنها الأرشيف البريطاني تروي قصة أكثر تعقيدا مما تقوله الرواية الأمريكية، فقد أدرك الرجال الذين صنعوا الثورة الأمريكية أن الحرية السياسية تتطلب حجة مقنعة، والحجج في العادة لا تكون محايدة.
وقد أوردت المجلة في تقرير لها 5 أساطير تُتداول في الرواية الأمريكية لقصة الاستقلال، وذلك على النحو التالي:
الأسطورة الأولى: الإعلان قائمة بحقائق مثبتة
تضمنت وثيقة إعلان الاستقلال الأمريكي، اتهامات عديدة لملك بريطانيا، وتم التقديم لها بالقول: "لتُعرض الحقائق على عالم منصف". وقد أخذ الأمريكيون هذه الدعوة على ظاهرها إلى حد كبير، متعاملين مع الاتهامات الموجهة للملك بصفتها حقائق مثبتة.
لكن الوثيقة، التي وقعها 56 مندوبا من المستعمرات الـ13، تكشف عن منهجها الخاص. فبعد الديباجة البليغة حول الحقوق غير القابلة للتصرف، يظهر متن الوثيقة كلائحة اتهام طويلة تفصل المظالم واحدة تلو الأخرى، وتبدأ كل منها بعبارة متكررة تنسب الفعل لملك بريطانيا آنذاك.
ووفق مجلة نيوزويك، فإن ذلك كان مقصودا، إذ رُتبت الشكاوى الحقيقية للمستعمرات في لائحة اتهام أحادية الجانب، وضُغطت الخلافات المتشابكة حول الضرائب والتجارة والسيادة والحكم الذاتي في قصة واضحة المعالم عن الاستبداد المتهم الأول فيها هو الملك. وقد أشار الموالون لبريطانيا إلى هذا الخلل في ذلك الوقت.
فقد نشر توماس هتشينسون، حاكم ماساتشوستس السابق المنفي، ردا عام 1776 يرفض فيه الأمر برمته باعتباره قائمة من "المظالم الوهمية"، كما رد المحامي اللندني، جون ليند، بكتاب كامل في العام نفسه يدحض ما جاء في وثيقة الاستقلال.
وفي كتاب "الطغاة والأشرار" (Tyrants and Rogues)، الذي نُشر بمناسبة الذكرى 250 لاستقلال أمريكا، يرى المؤرخ روبرت باركنسون أن التهم الـ27 التي تضمنها الدستور الأمريكي -وليس الديباجة الشهيرة- كانت الجزء الأكبر الذي صاغه واضعو الدستور وهندسوه لتصوير جورج الثالث كـ"حاكم مغتصب".
كما يسلط الكتاب الضوء على تفصيل غير مريح للذاكرة القائمة على مقولة "الملك فعل كل شيء": فالشكاوى الـ12 الأولى فقط تستهدف التاج، بينما تستهدف الشكاوى من 13 إلى 22 البرلمان البريطاني، وفق الكتاب.
باختصار، كان الإعلان أول عمل أمريكي عظيم في مجال الدعاية الدولية، كُتب لإقناع المستعمرين المترددين، والمحاكم الأجنبية، والأجيال القادمة بأن هذا لم يكن تمردا، بل انفصالا مبررا.
ووفق نيوزويك، فإن التهم التي وردت في الإعلان الأمريكي لم تكن مخترعة، لكنها كانت انتقائية، وعدائية، ومبالغا فيها في بعض الأحيان. كما ترى أن قائمة المظالم كانت عملا دعائيا ثوريا، والتقييم النزيه لاتهاماتها سيجد أن العديد منها يفتقر إلى دليل.
الأسطورة الثانية: جورج الثالث كان طاغية مجنونا
يرى تقرير نيوزويك أن صورة جورج الثالث في الذاكرة الجمعية الأمريكية بصفته "ملكا مختلا، وقاسيا، ومهووسا بسحق الحرية" لم تكن سوى صورة أفرزتها اختراعات جرت في زمن الحرب، وجُددت في العصر الحديث من خلال بعض الأعمال الفنية الكوميدية مثل المسرحية الغنائية "هاميلتون" التي أنتجتها ولحنتها الفنانة الأمريكية لين مانويل ميراندا.
أما الملك الحقيقي، وفق نيوزويك، فقد عارض الاستقلال واشتد موقفه ضد المستعمرات لاحقا، وتشير إلى أن الوثائق التي كُشف عنها مؤخرا تُظهر ملكا دستوريا جادا يدير البرلمان والوزراء والحرب، وليس طاغية مهووسا بالسلطة.
وتقول المجلة إن أحدث الأدلة على ما سبق كشف عنها "برنامج أوراق العهد الجورجي"، الذي افتُتح في قلعة وندسور عام 2015 بحضور الملكة إليزابيث الثانية. وهو جهد مشترك بين "صندوق المجموعة الملكية" وكلية "كينغز كوليدج لندن" لحفظ ورقمنة مئات الآلاف من الوثائق التي ظلت لفترة طويلة تحت طائلة الحظر.
وثمة وثيقة ضمن البرنامج المذكور آنفا، تلقي بظلال من الشك على صورة الطاغية المترسخة في الذاكرة الجمعية الأمريكية.
ففي مذكرة تعود لعام 1766 بشأن "قانون الطوابع"، كتب الملك جورج الثالث أنه يجد إلغاء القانون "أفضل بكثير من فرضه"، حاثا البرلمان على "معالجة أي مظالم على نحو عادل" ومبديا تخوفه من أن فرضه بالقوة قد "يوسع الفجوة" مع أمريكا.
تُظهر هذه المذكرة قدرا من التعاطف لا تلتقطه الصور الشائعة عنه غالبا. ولكن بحلول خريف عام 1774، ومع انعقاد المؤتمر القاري الأول، قال جورج الثالث لرئيس وزرائه إن "الأمر قد قُضي" وإن على المستعمرات إما "الخضوع أو الانتصار".
وكتب جورج الثالث إلى اللورد نورث: "لا أرغب في اللجوء إلى إجراءات أكثر صرامة، ولكن لا يجب أن نتراجع، وبالهدوء والمتابعة المستمرة للإجراءات التي اعتُمدت، أثق بأنهم سيخضعون في النهاية".
وعلى نطاق أوسع، كان جورج الثالث ملكا دستوريا مخلصا لبلده، وملتزما، وجادا في كثير من الأحيان، يعمل بكثافة من خلال الأوراق المكتوبة والمراسلات والمشورة الوزارية، بدلاً من الحكم كطاغية مستبد. وتظهر الأوراق الجورجية ملكا منخرطا بعمق في شؤون الحكومة ويتابع تفاصيل السياسات عن كثب.
كما تزامنت فترة حكمه مع ازدهار كبير في الأدب والفن والعلوم والفلسفة، وكان راعيا للعديد من المساعي في هذه المجالات. وتكشف أوراقه الخاصة عن اهتمامات فكرية تتجاوز السياسة.
ووفق مجلة نيوزويك، فإن جورج الثالث لم يكن وحشا كما يستقر في الذاكرة الجمعية الأمريكية، بيد أنه لم يكن بريئا تماما من بعض ما ينسب إليه.
الأسطورة الثالثة: مذبحة بوسطن حدثت كما تظهرها اللوحة الفنية
في الخامس من مارس/آذار 1770، لقي خمسة أشخاص مصرعهم ليلا في شارع "كينغ ستريت" في مدينة بوسطن في حادثة نالت شهرة واسعة.
ورغم أن الحادثة مروعة، فإن الصورة التي يحملها معظم الأمريكيين في أذهانهم عنها ليست مأخوذة من سجلات المحكمة، بل هي صورة للفنان بول ريفير.
فقد ظهرت لوحته المحفورة والملونة يدويا في غضون أسابيع، وهي تصور صفا من الجنود البريطانيين النظاميين يطلقون النار بناء على الأوامر صوب مدنيين عزل، مع إعادة تسمية مبنى الجمارك الذي قضى فيه الضحايا بـ"قاعة الجزارين" لإيصال رسالة معينة عن الواقعة.
ووفق مجلة نيوزويك فقد كانت اللوحة الوسيلة الأكثر فاعلية في ذلك العصر، وقد أسهمت في تأجيج المشاعر ضد الحكم البريطاني، رغم أنها لا تتفق مع ما رواه الشهود خلال جلسات المحكمة بشأن الواقعة.
فخلال جلسات المحكمة، تضاربت روايات الشهود، واختلف العديد منهم على الزي الذي كان يرتديه القائد البريطاني توماس بريستون، المتهم بإصدار أوامر إطلاق النار، وأقسم العديد منهم أنه كان واقفا أمام رجاله، ولم يصدر أوامر وهو يقف خلفهم عكس ما ورد في روايات البعض.
وقد تمت تبرئة بريستون، ومعه 6 من الجنود الثمانية، الذين اتُهموا في واقعة قتل الأشخاص الخمسة في بوسطن. وأُدين اثنان ليس بتهمة القتل العمد بل بتهمة القتل الخطأ. وكان محامي دفاعهم شابا من بوسطن يُدعى جون آدامز.
هذه الحادثة توضح كيف تعمل الدعاية في أوج قوتها، فهي نادرا ما تخترع حدثا، بل تبسطه وتحوله إلى رمز مُسيَّس.
وقبل أن تصبح مذبحة بوسطن جزءا من التاريخ، كانت عبارة عن لوحة رسمها فنان، لكنها كانت أكثر وضوحا وحسما بالنسبة للناس مما ورد في الأدلة الحقيقية للواقعة.
الأسطورة الرابعة: الأمريكيون كانوا يريدون الاستقلال
يشير تقرير نيوزويك إلى أن الاستقلال لم يكن أمرا حتميا، ولم يكن حتى رأي الأغلبية في عام 1775.
فقبل عام كامل من الإعلان -وبعد أشهر من بدء إطلاق النار في مدينتي ليكسينغتون وكونكورد وهي الأحداث التي مثلت بداية الثورة الأمريكية على الحكم البريطاني- أرسل المؤتمر القاري الثاني للملك جورج الثالث "عريضة غصن الزيتون"، التي صاغها جون ديكنسون، وهو أحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة. وقد افتُتحت العريضة بمخاطبته بعبارة "رعايا جلالته المخلصين في المستعمرات" وتوسلت من أجل المصالحة.
وجاء في العريضة: "إن الاتحاد بين بلدنا الأم وهذه المستعمرات، وحيوية الحكومة المرنة والعادلة، قد أنتجا فوائد على قدر كبير من الأهمية، وقدما مثل هذا الضمان لديمومتها وزيادتها، لدرجة أثارت عجب وحسد الأمم الأخرى، وهم يشهدون صعود بريطانيا العظمى إلى قوة هي الأكثر استثنائية مما عرفه العالم على الإطلاق".
ووفق نيوزويك، فقد وُقِّعت هذه الوثيقة من قبل أسماء بارزة، من بينها جون آدامز، وتوماس جيفرسون، وبنجامين فرانكلين. لكن جورج الثالث رفض حتى استلامها، وأعلن في أغسطس/آب من ذلك العام أن المستعمرات في حالة تمرد صريح.
إذن، لم يكن الاستقلال هو الفكرة الأولى لشعب موحد. بل كان أقرب إلى الخطوة الأخيرة لمصالحة تنهار، اللحظة التي عبرت فيها حركة منقسمة، بعد أن توسلت لإنقاذ العلاقة، خطا لا يمكنها الرجوع عنه.
الأسطورة الخامسة: الشعب الأمريكي كان موحدا ضد بريطانيا
تؤكد المجلة حقيقة كون الثورة الأمريكية كانت حربا أهلية، ففي الجنوب، وُصفت بأنها "حرب أهلية دموية غالبا ما وضعت الجار في مواجهة جاره"، فقد عاشت ولاية كارولينا مثلا، حربا أهلية شملت شن غارات وأعمال انتقام، ومصادرة ممتلكات، مما مزق لحمة المجتمع.
فقد قاتل مَن يصفون أنفسهم بـ"الوطنيين" مَن يُوصفون بـ"الموالين" للعرش البريطاني؛ وشكل العبيد والسكان الأصليون (الهنود الحمر) ومستوطنو الحدود تحالفات بناء على مصالحهم الخاصة في حرب حملت شعارات شتى.
لذلك، تقول مجلة نيوزويك- إن أسطورة "الشعب الواحد" الثائر ضد الحكم البريطاني لا تعكس الصراع الذي كان حاضرا منذ لحظة التأسيس، حول من ينبغي أن يشمله هذا اللفظ ومن يُستثنى منه. وقد كانت هذه الانقسامات وقودا للحرب الأهلية التي اندلعت في الولايات المتحدة بعد ذلك.
وتقول نيوزويك، إنه في الرابع من يوليو/تموز، ستضيء الألعاب النارية سماء أمريكا، وسوف تتلى وثيقة التأسيس رسميا في مراسم الاحتفال، وتُروى القصة المألوفة مجددا، لكن القصة الحقيقية ليوم الاستقلال أقوى من الأسطورة المثالية التي تروى في مراسم ذكرى الاستقلال كل عام.
الرجاء الانتظار ...