رغيف الخبز وجيوب المواطنين رهينة السياسة .. هل انتهى زمن العرض والطلب؟

التاج الإخباري -

حنين زبيده - ريم ابو السندس ْ

لم تعد تقلبات الأسواق أو قرارات البنوك المركزية وحدها المحرك الرئيس لارتفاع الأسعار حول العالم، إذ باتت التوترات الجيوسياسية والصراعات الدولية والسياسات التجارية تلعب دورا متزايدا في رسم ملامح كلفة المعيشة، وسط تساؤلات متصاعدة حول ما إذا كان الاقتصاد العالمي قد دخل بالفعل مرحلة جديدة يمكن وصفها بـ"التضخم السياسي"، إذ أصبحت القرارات السياسية تنعكس بشكل مباشر على فاتورة المواطن اليومية.

"التضخم السياسي".. كلفة المعيشة تُصنع في غرف القرار لا الأسواق

من جانبه، أوضح الخبير الاقتصادي حسام عياش، أن الاقتصاد العالمي يشهد تحولاً هيكلياً غير مسبوق، تجاوزت فيه آليات تحديد أسعار السلع والخدمات المفاهيم التقليدية القائمة على العرض والطلب أو السياسات النقدية، ليصبح العالم أمام مرحلة جديدة يمكن وصفها بـ"التضخم السياسي"، لاسيما أن القرارات الجيوسياسية والتوجهات الأيديولوجية للحكومات باتت عاملاً بنيوياً رئيسياً يحدد كلفة المعيشة وينعكس بصورة مباشرة على فاتورة المواطن اليومية.

وقال عياش في حديث له مع "التاج الإخباري"، إن النظام الرأسمالي العالمي انتقل من نموذج "اقتصاد الكفاءة" الذي هيمن خلال العقود الماضية، إلى نموذج "اقتصاد الأمن والمرونة"، بعد أن كانت الأولوية في السابق تتركز على بناء سلاسل توريد عالمية مفتوحة تؤمن السلع ومدخلات الإنتاج بأقل كلفة ممكنة، بغض النظر عن الاعتبارات السياسية.

وبيّن أن هذا النموذج يشهد تراجعاً متسارعاً، مقابل صعود نموذج جديد يمنح الأمن الغذائي وأمن الطاقة والاستقرار الجيوسياسي أولوية تتقدم على اعتبارات خفض الكلف، الأمر الذي يدفع الدول إلى تحمل أعباء مالية إضافية لضمان استدامة الإمدادات.

وأشار إلى أن هذا التحول انعكس أيضاً على توجه الحكومات والشركات الكبرى نحو توطين الصناعات الحيوية داخل حدودها أو ضمن نطاقات إقليمية حليفة، بهدف حماية سلاسل الإنتاج من الانقطاع نتيجة الصراعات والتوترات الجيوسياسية.

"علاوة الخطر" تفرض نفسها عالمياً.. والمستهلك يدفع فاتورة المخاوف السياسية

ولفت عياش في حديثه لـ"التاج"، إلى أن الأسواق تشهد تحولاً واضحاً في آليات التسعير، إذ لم تعد الأسعار ترتفع بعد وقوع الأزمات فقط، وإنما بمجرد توقع المخاطر، فيما يعرف بـ"علاوة الخطر"، إذ تبادر الشركات والمؤسسات الإنتاجية والتجارية إلى رفع هوامش الأمان السعرية فور تصاعد التوترات السياسية أو التلويح بفرض عقوبات، لينتهي الأمر بتحميل المستهلك النهائي كلفة تلك المخاطر المحتملة.

وبيّن أن "التضخم السياسي" أصبح عابراً للحدود، من خلال عدد من القنوات التي تنقل آثار القرارات السياسية الدولية إلى الأسواق المحلية بصورة مباشرة.

وأوضاف أن الاضطرابات الأمنية في الممرات البحرية والمضائق الحيوية، مثل مضيق هرمز وباب المندب والبحر الأحمر، رفعت كلف الشحن والتأمين البحري عالمياً، لتنتقل هذه الزيادات إلى الأسواق المحلية، وتنعكس على أسعار السلع الأساسية، بدءاً من الأسمدة الزراعية ووصولاً إلى سعر رغيف الخبز والمواد الغذائية.

وأضاف أن السياسات الحمائية وفرض الرسوم الجمركية المرتفعة والإجراءات التقييدية، ومنها السياسات الاقتصادية التي انتهجها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سابقاً، أدت الى معايير تجارية جديدة، اسهمت بتشوهات كبيرة في حركة التجارة والاستثمارات العالمية اضافةً الى رفع الكلفة النهائية للمنتجات المستوردة.

كما أشار إلى أن القيود المفروضة على تصدير المعادن النادرة وأشباه الموصلات، إلى جانب محاولات احتكار تقنيات الذكاء الاصطناعي، تسببت في ارتفاعات سعرية متواصلة طالت قطاعات السيارات والهواتف الخلوية والأجهزة الكهربائية والتقنية.

رفع الدعم وتحرير الأسعار.. المواطن أول من يدفع ثمن السياسات الليبرالية

وعلى صعيد السياسات الداخلية، أكد عياش خلال حديثه مع "التاج"، أن التوجه الأيديولوجي للحكومات يلعب دوراً حاسماُ في تحديد حجم العبء المالي الذي يتحمله المواطن، موضحاً أن السياسات ذات الطابع الليبرالي والمحافظ تتجه نحو الرأسمالية المطلقة، من خلال رفع الدعم الحكومي، وتقليص شبكات الأمان الاجتماعي والمعونات المباشرة، واعتماد تسعير خدمات أساسية كالمياه والطاقة وفقاً لآليات السوق الحرة، وهو ما يجعل المواطن يتحمل الفاتورة بصورة مباشرة.

وأشار إلى أن ثبات مستويات الأجور أو نموها بمعدلات أقل من وتيرة هذا التضخم السياسي يؤدي إلى تراجع القوة الشرائية والادخارية للأسر، كما يدفع الحكومات إلى تحميل المواطنين تبعات عجز الموازنات عبر زيادة الضرائب والرسوم، الأمر الذي يرفع من مخاطر اتساع رقعة الفقر والبطالة.




مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى