الخزاعلة يكتب: الأردن في أسبوع .. كيان وازن وشعب ملحمي يطوقان سديم الأزمات
التاج الإخباري -
بقلم د. ايمن الخزاعلة.في فضاءٍ جيوسياسيٍّ مأزوم، تتقاطع في مداراته الخطوب الأمنية والسياسية والاقتصادية على نحوٍ سديميّ، نرقب الأردن اليوم كنموذجٍ استثنائي للدولة التي تفكك الأزمات وتُعيد إنتاج الاستقرار بحنكةٍ واقتدار؛ حيث تتكشف ميكانزمات دولة تعمل بانسجامٍ بنيوي بين مستوياتها السيادية، والتنفيذية، والعسكرية، والاجتماعية، لتصون ذلك التوازن الدقيق والمقلق بين استحقاقات الداخل المتسارعة وموجات الإقليم المضطربة. إن هذا الاتساق البنيوي يصمد طردياً من الحضور الملكي بوصفه النواة الصلبة والموجه الراديكالي للسياسة العليا، مستجمعاً بين المقاربة الإنسانية العميقة ورؤية التكنولوجيا الحداثية؛ إذ تجلى الخط الإنساني للملك في لفتته الكريمة بدعوة مواطنة أردنية من كاليفورنيا لزيارة المملكة على نفقته الخاصة، وتسلّم رسالة رئيس موريتانيا عبر الصفدي، تزامناً مع اشتباك مباشر لولي العهد مع التحولات العالمية بزيارته إلى "سيليكون فالي" ولقائه بقادة مؤسسات تقنية رائدة، في تجسيدٍ لمعادلة تعتبر أن المناعة السيادية تبدأ بالاستثمار التنموي في الإنسان وتوطين الرقمنة والمعرفة بقدر ما تُصان بالقرارات السيادية.
وتتوازى هذه الرؤية مع ثبات الرواسي القومية للدبلوماسية الأردنية التي أدانت بصرامة استيلاء سلطات الاحتلال على أراضي بطريركية الروم الأرثوذكس في "سلوان"، معيدةً تصدير الوصاية الهاشمية كحائط صد تاريخي، بالتوازي مع التدفق الإغاثي بتسيير القافلة التاسعة من المساعدات إلى غزة ولبنان، وإرسال فرق إنقاذ ووفود طبية إلى فنزويلا المنكوبة بالزلازل، مدفوعاً بجهود مكثفة قادها وزير الخارجية لتأمين دعم وكالة "الأونروا" والتحضير للجنة المشتركة مع المغرب، لتتأكد صورة الدولة ذات المسؤولية الكونية. وفي المدارين الأمني والقضائي، تقف القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي والأجهزة الأمنية في خندق الدفاع السيادي الأول، مستشرفةً التهديدات الهجينة؛ إذ أحبطت المنطقة العسكرية الشرقية محاولتي تسلل واختراق لحدود الشمال، بالتوازي مع ضربات استباقية حاسمة لفرسان مكافحة المخدرات أحبطت تهريب الكوكايين وفككت خطاً مسلحاً مرتبطاً بعصابات إقليمية، وهو ما يتكامل مع مؤتمر وزارة التنمية الاجتماعية حول دور المجتمع المدني بمكافحة المخدرات، وإشادتها بمركز السلم المجتمعي التابع للأمن العام بوصفه أداة للتحصين الردعي وحماية الأمن الفكري. وقد شهد الحقل القضائي أسبوعاً سيادياً بامتياز، تمثل في إنفاذ أحكام الإعدام بحق 6 مدانين بقضايا إرهابية وجنائية مروعة – في مقدمتهم قاتل الشهيد العقيد عبد الرزاق الدلابيح وما رافقه من رسالة مؤثرة لنجله، وإعلان الحكومة أن الإعدامات ستنفذ تباعاً – وإصدار الجنايات الكبرى حكماً بإعدام قاتل شقيقته شنقاً أثناء نومها، وسط توجهات لتوسيع نطاق العقوبة قانونياً بالتعاون مع مجلس الأمة، وكشف احد الاعيان عن شتم محكوم للذات الإلهية على منصة الإعدام، وحبس نائب سابق عامين بتهمة إساءة الأمانة ومصادرة أراضٍ، بما يعكس استعادة هيبة القانون وسلطانه.
وفي المدارين الإداري والاقتصادي، تجلت مقاربة الاشتباك المباشر مع التحديات؛ إذ دفعت الحكومة ببرنامج تنفيذي للزرقاء بكلفة تتجاوز 800 مليون دينار، تزامناً مع تقاعدات قيادية في التربية والخط الحجازي، بينما كثف وزير الداخلية مازن الفراية زياراته لجسر الملك حسين لتسهيل عبور الأشقاء الفلسطينيين وبحث تشغيله على مدار الساعة لكسر التعنت والتعطيل الإسرائيلي المسبب للاكتظاظ. وتزامن ذلك مع إيعاز لحلول مياه فورية في المفرق وضبط صهاريج ملوثة بإربد وجنوب عمان، وحملات نظافة بغابات برقش، واستحداث وزارة العمل آليات لصرف مستحقات العمالة الوافدة وتنظيم قطاع التوصيل، ورصد 177 شكوى لعاملات المنازل. اقتصادياً، يعكس المشهد لوحة مزدوجة؛ فمن جهة نجح الاقتصاد في احتواء التضخم دون المستويات العالمية خلال خمس سنوات، وقفزت الصادرات للاتحاد الأوروبي بنسبة 49.3% في الثلث الأول ؛ لكن من جهة أخرى، تستمر المديونية كضغط بنيوي مع اقتراض 2.075 مليار دينار لإطفاء ديون بقيمة 1.250 مليار خلال خمسة أشهر، وسط استقرار أسعار المحروقات محلياً، وتحذيرات صندوق النقد الدولي، بما يعمّق سؤال التحول بجرأة نحو الإنتاجية الذاتية.
وعلى الصعيدين التعليمي والاجتماعي، أدارت الدولة امتحان "التوجيهي" لـ 126,679 مشتركاً بكفاءة لوجستية عالية وضبط تقني صارم شمل حجب تطبيقات التراسل بمحيط القاعات وتسليم البطاقات ورقياً بالداخل، وتأكيد وزير التربية ميدانياً على مركزية اللغة العربية في صياغة الكينونة الوطنية، مع انطلاقة مريحة بامتحان التربية الإسلامية ونصائح للطلبة تجنباً للمخالفات الموجبة للحرمان لعامين. هذا الضبط تباين مع مشهد اجتماعي يتأرجح بين الفاجعة والتكافل؛ من وفاة الفتى زيد الديماسي (من سكان الرصيفة) جراء تدافع بالساحة الهاشمية بوسط البلد – وما تبعه من منع المحافظ للفعاليات الجماهيرية المماثلة – وحوادث تسمم أغلقت إثرها وحدة غسيل كلى بمستشفى خاص، وحرائق لـ 20 دونماً من القمح بالكرك، وسقوط 5 سيدات باستراحة في عجلون، وتدهور مركبة بالطريق الملوكي خلف وفاة و6 إصابات، وجثة خمسيني بالأغوار، وانتحار شاب بالبيادر وطعن رجل لزوجته بالبادية الشمالية، وتهجم موظفة على مكتب وزير السياحة، وبين بارقات تكافل تمثلت في إنصاف لشاب فُصل بسبب تشجيعه للمنتخب، وجهود صلح عشائري قادها احد الشيوخ لإنهاء الخلاف بين النائبين السابقين الرياطي وفريج، وزفاف 48 حافظاً للقرآن بعجلون.
أما في مضامير الرياضة والسياسة الإقليمية، فقد حلق منتخب "النشامى" في مونديال أمريكا كأيقونة وطنية حظيت بدعم كبير وتوجيهات الأمن العام للتقيد بالتعليمات، واستقبل المدرج الروماني الحشود بمباراة الجزائر التي انتهت بخسارتنا وتخللتها إشادات "فيفا" ورسالة النعيمات وتأكيد "أرشيفو فار" الإسبانية بتسلل هدف الجزائر الثاني؛ إذ واصل النشامى تدريباتهم لمواجهة الأرجنتين بدقيقة صمت على روح زيد، بالتزامن مع مقترح لتوسيع شاشات العرض ("ساحات النشامى")، وتعيين مديراً للفيصلي وضمه للعوضات والفاخوري وملاحقة المسيئين رقمياً قانونياً في ظل تقارير استنزاف المنصات لمدخرات المواطنين بـ 600 دينار سنوياً، وغضب ضد هجوم حارس الكويت السابق. إن هذه اللحمة تمنح الدولة تماسكاً في مواجهة العواصف الجيوسياسية بالإقليم؛ من أسف ترامب لإصابة مجتبى خامنئي وتهديداته لإيران والملف النووي وتباينات مضيق هرمز وخليج عمان وتوقيف إجلاء البحارة، ولقاء عراقجي بوزير داخلية باكستان، إلى انفجار رأس لفان بقطر وتضامن الأردن معها، وتأكيد البحرين على التعاون العربي، وترقب خليفة ستارمر ببريطانيا، وصولاً لإعلان السعودية القبض على أردني نقل 1.4 مليون حبة مخدرات ووافدين بتهمة الدعارة بتبوك.
و في صفوة القول في مآلات هذا المشهد الفسيفسائي الحرج، لا يظهر الأردن كدولة تدير أزمات عابرة فقط، بل ككيان سياسي وازن يعيد تشكيل التوازن داخل بيئة إقليمية شديدة الاضطراب، مستنداً لشرعية القيادة، وبأس الجيش، وسيادة القانون، وحيوية هذا المجتمع العصي على الانكسار؛ في معادلة دقيقة تُنتج استقراراً مستمراً رُغم كل ما يحيط به من عواصف مفتوحة على احتمالات متغيرة.
الرجاء الانتظار ...