البشتاوي يكتب: حين تلتفّ العباءة حول الراية .. الأردن يطبع صكّ أصالته ويُبهر العالم في المونديال
التاج الإخباري -
بقلم: الدكتور المحامي يوسف البشتاوي.لم تكن المستطيلات الخضراء يوماً مجرد مساحة لركض اللاعبين خلف كرة من جلد ولم تكن مدرجات كأس العالم مجرد مقاعد للهتاف بل كانت دائماً مرآة تعكس عمق الشعوب وأصالة هويتها.. وفي هذا المحفل العالمي حين صُوّبت أنظار الكوكب نحو الشاشات لم يقدّم الأردن فريقاً لكرة القدم بل قدّم للعالم ملحمة وطنية استثنائية صاغتها قيادة ملهمة وشعبٌ عظيم تلاحم بكل جوارحه خلف رايته المرفوعة.
في المشهد الأردني تلاشت الحدود تماماً بين ما هو "رسمي" وما هو "شعبي" فلم نشهد بروتوكولات جامدة .. بل رأينا جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين بقامته الهاشمية وبكل الهيبة يقف مشجعاً في المدرجات يشدّ على أيدي النشامى بروح الأب والقائد ويرسل للعالم رسالة مفادها أن هذا هو الأردن عائلة واحدة على قلب رجل واحد.. وإلى جانبه كان سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبد الله الثاني يجسّد نبض الشباب الأردني بحماسه وعفويته ودفء تواصله وتواضعه مع الجماهير.
إن وجود القيادة في قلب الحدث لم يكن مجرد دعمٍ معنوي للمنتخب بل كان قيادةً لركب الترويج لوطنٍ بنيناه بالدموع والعرق وطنٍ يستحق أن يراه العالم بأبهى حلة.. فلقد استغل الأردنيون قيادةً وشعباً هذه الفرصة التاريخية كأقوى منصة ثقافية وسياحية في العصر الحديث فلم يذهبوا إلى المونديال ليستهلكوا الحدث بل ليصنعوا بصمتهم الخاصة وينشروا رسالة الأردن الحضارية.. فتحولت تجمعات الأردنيين في بلد المونديال إلى "مضافات مفتوحة" وزعوا الابتسامات وعرّفوا العالم بالكرم الأردني الأصيل الذي تقبع منه رائحة المنسف والقهوة العربية فنشروا ثقافة الترحيب التي تجري في عروقهم مجرى الدم .. كما شهد العالم مدرجات أردنية تميزت برقي التشجيع والهتاف بحب الوطن دون تجريح بالمنافس وجماهير تضرب أروع الأمثلة في الحضارة بوعيها وسلوكها بينما كان الشماغ الأحمر "الهدب" الذي تزين به الأعناق بمثابة رسالة بصرية تقول للعالم أجمع.. هنا الأردن.. نحن الأردن.. هنا منبت الشهامة والنخوة.
إن المكسب الحقيقي هو مكسب الهوية والأردن في هذا المونديال ثبّت هويته وأصالته وعرّف عن نفسه امام أنظار العالم بأحرف من ذهب.. قد لا نكون قد توجنا بكأس البطولة وقد نكون خسرنا جولات في المستطيل الأخضر.. لكن الحقيقة الصارخة التي يقرأها الجميع اليوم هي أن الأردن لم يخسر شيئاً بل ربح كل شيء.. فلقد كسبنا نظرة العالم الثمينة وكسبنا احترام الشعوب التي رأت في الأردني نموذجاً للمواطن الراقي الشهم والمحب لوطنه وقيادته.. فرأى العالم دولة صغيرة بمساحتها على خارطة العالم محدودة بمواردها لكنها عملاقة بكرامتها هائلة بعزيمة رجالها ومبهرة بتلاحم شعبها مع قيادته الهاشمية.
سينتهي المونديال.. وتُطوى صفحة المباريات لكن ستبقى في ذاكرة التاريخ تلك الصورة المشرفة .. ملكٌ يقود وولي عهدٍ يساند وشعبٌ يلتفّ كالسوار حول المعصم ليرسموا معاً لوحة أردنية عزّ نظيرها.. نعم.. لم نرفع الكأس الذهبية بأيدينا لكننا رفعنا اسم الأردن عالياً في عنان السماء وأثبتنا للعالم أجمع أن "النشامى" ليس مجرد لقب للمنتخب بل هو صكّ أصالة ونخوة يولد مع كل أردني وأردنية.. حمى الله الأردن وشعبه العظيم وقيادته الفذة.
الرجاء الانتظار ...