الأخوّة حين تكون سياسة دولة وذاكرة أمة
التاج الإخباري -
كتب: عضو مجلس الأعيان حسين الحواتمة.تشرفتُ بحضور دعوةٍ كريمة على العشاء من سعادة السفير العُماني الأخ فهد العجيلي، بصفتي رئيس لجنة الأخوّة الأردنية العُمانية، وذلك على شرف وفدٍ عُماني رفيع المستوى. ولم تكن المناسبة مجرد لقاءٍ دبلوماسي أو مناسبةٍ بروتوكولية عابرة، بل كانت مساحةً رحبةً للحوار الصادق واستحضار الذاكرة العربية الجميلة التي تحفظ المواقف ولا تنكر الرجال ولا تتنكر للتاريخ.
وقد كنتُ ممتناً، كأردني، لما تفضل به سعادة رئيس الوفد العُماني من كلماتٍ خرجت من القلب قبل أن تكون خطاباً سياسياً، مستذكراً العلاقات التاريخية التي جمعت الأردن وسلطنة عُمان، ومؤكداً أن الدول العريقة لا تُقاس فقط بما تحقق من مصالح، بل بما تختزنه ذاكرتها من مواقف نبيلة ومبادئ راسخة. وقد كان حديثه شهادةً صادقة على عمق الروابط التي جمعت البلدين الشقيقين، وهي روابط لم تُبنَ على المصالح المؤقتة أو الظروف المتغيرة، بل رسختها قيادتانا عبر التاريخ، انطلاقاً من الإيمان بالحكمة والاعتدال والاحترام المتبادل، والحرص على أن تبقى العلاقات العربية قائمة على الثقة والأخوّة والتقدير.
لقد كان ذلك الحديث تذكيراً بأن السياسة في أرقى صورها ليست فن إدارة المصالح فقط، بل فن حفظ الذاكرة أيضاً. فالأمم الكبيرة هي التي تتذكر من وقف معها، والدول الواثقة من نفسها هي التي لا تنكر فضل الأشقاء، لأن الوفاء في السياسة ليس ضعفاً، بل أحد أعلى درجات القوة والرقي الحضاري.
ولطالما كانت سلطنة عُمان، بقيادتها الحكيمة وشعبها الكريم، نموذجاً عربياً فريداً في الحكمة والاتزان. فهي دولة تجمع ولا تفرق، وتقرب ولا تباعد، وتبحث عن مساحات التفاهم أكثر من مواطن الخلاف. ولها في التاريخ صفحات مشرقة من الحضارة والإنجاز، كما أن أساطيلها البحرية عبر القرون كانت شاهداً على حضور عربي مؤثر وصل إلى آفاق بعيدة، فغدت عُمان مصدر اعتزاز لكل عربي، ليس بتاريخها فقط، بل بحاضرها المزدهر ومكانتها الإقليمية والدولية المرموقة.
وفي المقابل، ظل الأردن، بقيادته الهاشمية الحكيمة، وفياً لرسالته العربية والإنسانية، مؤمناً بأن استقرار المنطقة وتماسكها لا يتحققان إلا بالتعاون والتضامن واحترام خصوصية الدول وخيارات شعوبها. ولذلك لم يكن مستغرباً أن تتلاقى الرؤى بين عمّان ومسقط، وأن تبقى العلاقة بين البلدين نموذجاً للعلاقات العربية المتوازنة التي تقوم على الاحترام المتبادل والثقة الصادقة.
ومن أجمل ما استوقفني في هذه المرحلة، الخطوة المقدرة التي قام بها دولة رئيس مجلس الأعيان والزملاء الأعيان، عندما جرى استبدال مسمى “لجان الصداقة” مع الدول العربية بمسمى “لجان الأخوّة”. فالصداقة قيمة عظيمة، لكنها تبقى علاقة اختيار، أما الأخوّة فهي رابطة وجدان ومصير وتاريخ مشترك. والعرب لم تجمعهم الجغرافيا وحدها، بل جمعتهم ذاكرة حضارية واحدة وآمال مشتركة وتحديات متشابهة، ولذلك فإن الأخوّة هي التعبير الأدق عن حقيقة العلاقة التي ينبغي أن تسود بين أبناء الأمة العربية.
إن الأمم لا تبنى بالشعارات وحدها، بل بالمواقف التي تبقى حاضرة في الذاكرة الجماعية للشعوب. وما سمعناه من الوفد العُماني الكريم لم يكن مجرد كلمات مجاملة، بل كان تعبيراً صادقاً عن مدرسة سياسية تؤمن بأن العلاقات بين الدول تُصان بالوفاء كما تُصان بالمصالح، وأن التاريخ ليس صفحات تُقرأ فحسب، بل عهدٌ أخلاقي يُحفظ ويُورث للأجيال.
وهكذا يبقى الأردن وسلطنة عُمان نموذجين عربيين يجمعهما الاعتدال والحكمة والوفاء، وتبقى الأخوّة بينهما حقيقة راسخة تتجاوز حدود السياسة إلى فضاء أوسع، حيث تلتقي القيم بالمبادئ، وتلتقي الذاكرة بالمستقبل، وتبقى العلاقات الإنسانية الصادقة هي الثروة التي لا تنضب مهما تغيرت الأزمنة والظروف.
الرجاء الانتظار ...