بعد المستشفيات .. انهيار قطاع الأسنان يفاقم الأزمة الصحية في غزة
التاج الإخباري -
لم تعد أزمة القطاع الصحي في قطاع غزة تقتصر على المستشفيات والأدوية، بل امتدت إلى قطاع طب وصناعة الأسنان الذي يواجه خطر الانهيار الكامل بفعل الحصار الإسرائيلي ونفاد المواد الخام الأساسية، ما يهدد بحرمان آلاف المرضى من خدمات علاجية وتأهيلية باتت شبه متوقفة.وفي وقت تتزايد فيه أعداد المصابين والمرضى المحتاجين إلى تركيبات الأسنان والعلاجات التأهيلية، يجد العاملون في هذا القطاع أنفسهم أمام واقع غير مسبوق، بعدما تحولت المختبرات إلى ورش تعمل ببدائل بدائية لا تضمن الحد الأدنى من الجودة المطلوبة.
ويقول فني الأسنان رامي الريفي إن مختبرات صناعة الأسنان في غزة تعاني نقصا حادا في المواد الأساسية المستخدمة يوميا، موضحا أن بعض المستلزمات الضرورية انقطعت بشكل كامل خلال السنوات الأخيرة، ما انعكس مباشرة على قدرة المختبرات على مواصلة العمل.
وأوضح الريفي في حديثه للجزيرة مباشر أن مادة أخذ طبعات الأسنان، المعروفة باسم "زيتا بلس" ، باتت مفقودة تماما من الأسواق، بينما تصل أسعارها إلى مستويات باهظة عند توفرها، الأمر الذي أدى إلى تراجع أعداد الحالات المحولة من العيادات إلى المختبرات بصورة كبيرة.
ولم يتوقف تأثير الأزمة عند مرحلة أخذ القياسات، بل امتد إلى المراحل اللاحقة من التصنيع، حيث تواجه المختبرات صعوبة بالغة في تأمين الجبس الطبي المتخصص المستخدم في صناعة نماذج الأسنان وتركيباتها المختلفة.
وأشار الريفي إلى أن المختبرات اضطرت إلى استخدام جبس بديل معاد تدويره من مخلفات المباني المدمرة بعد طحنه ومعالجته محليا، مؤكدا أن هذه البدائل لا تضاهي الجبس الطبي من حيث الجودة والمتانة والدقة المطلوبة في العمل.
وتنعكس هذه البدائل بشكل مباشر على جودة المنتج النهائي، إذ تصبح التركيبات أكثر عرضة للتلف والتشقق، بينما يفقد الفنيون القدرة على تنفيذ أعمال دقيقة كانت تُعد من أساسيات المهنة قبل اندلاع الحرب وتشديد الحصار.
وتزداد المعاناة داخل المختبرات مع فقدان مصادر الطاقة والوقود اللازمة لتشغيل المعدات، ما دفع العاملين إلى اللجوء لوسائل بدائية لتسييح الشمع المستخدم في صناعة الأطقم السنية الخاصة بالمرضى وكبار السن.
وفي هذا السياق، أوضح الريفي أن الفنيين باتوا يستخدمون الزيت النباتي بديلا عن الغاز لتسخين الشمع، وهي طريقة تؤدي إلى انبعاث السخام وتراكم آثار الاحتراق على القوالب السنية، بما ينعكس سلبا على المظهر النهائي وجودة التصنيع.
ولا تقتصر المشكلة على الأطقم المتحركة، إذ تواجه التركيبات الثابتة تحديات أكبر بسبب انقطاع المواد المعدنية المستخدمة في تصنيع الجسور والتلبيسات، وهي مكونات أساسية لا يمكن الاستغناء عنها أو استبدالها بسهولة.
وأكد الريفي أن عشرات الحالات العلاجية باتت معلقة داخل المختبرات بانتظار توفر المعدن اللازم لاستكمالها، مشيرا إلى أن المرضى الذين فقدوا أسنانهم أو أجزاء منها خلال الحرب هم الأكثر تضررا من هذا الواقع المتفاقم.
ويحذر العاملون في القطاع من أن استمرار الأزمة سيؤدي إلى إغلاق المزيد من المختبرات وتسريح العاملين فيها، بعدما تراجعت القدرة التشغيلية إلى مستويات متدنية لا تكفي للحفاظ على استمرارية العمل أو تغطية النفقات الأساسية.
وبحسب الريفي، كان المختبر الذي يعمل فيه يضم 10 فنيين قبل الحرب، إلا أن معظمهم توقفوا عن العمل نتيجة نفاد المواد الخام وتراجع حجم الإنتاج، فيما تواصل الكوادر المتبقية العمل بالحد الأدنى الممكن.
ولا يختلف حال هذا المختبر عن مئات معامل الأسنان الأخرى في القطاع، إذ تعرض بعضها للتدمير المباشر جراء القصف، بينما أغلقت أخرى أبوابها بعد استنزاف مخزونها من المواد الأساسية وعدم قدرتها على تعويضه.
ومع تزايد أعداد المرضى والحالات المؤجلة، تتكدس القوالب والتركيبات غير المكتملة داخل المختبرات بانتظار وصول المواد اللازمة لاستكمالها، في مشهد يعكس حجم الأزمة التي تضرب أحد أكثر القطاعات الصحية تخصصا في غزة.
ووجه الريفي نداء عاجلا إلى المنظمات الدولية ومنظمة الصحة العالمية للتدخل من أجل إدخال مستلزمات صناعة الأسنان، مؤكدا أن استمرار منع هذه المواد يحرم المرضى من حقهم في العلاج والتأهيل ويهدد بانهيار القطاع بالكامل.
وتأتي أزمة صناعة الأسنان ضمن مشهد أوسع يطال قطاعات صحية أخرى في غزة، بينها جراحة القلب ووحدات غسيل الكلى، وسط تحذيرات متواصلة من تداعيات نقص المستلزمات الطبية، رغم الحاجة الملحة لإعادة تأهيل البنية الصحية وتوفير احتياجاتها الأساسية.
الرجاء الانتظار ...