من "ريت الوجع بيا" إلى "غطّيت شعري والوجه والهبري" .. حين يُستهلك الحزن في سباق الترند

التاج الإخباري -

بقلم: لينا الناصر

في زمن تتسارع فيه الصورة أكثر من الفكرة، ويتقدّم فيه الصوت على المعنى، تتسلل إلى منصات السوشيال ميديا أغانٍ ومقاطع تحمل في جذورها تاريخًا طويلًا من الحزن والوجع الإنساني، ثم تُستعاد اليوم في سياقات مختلفة تمامًا، لا تُشبه اللحظة التي وُلدت فيها، ولا تعكس ثقلها الثقافي أو العاطفي الأصلي. وهكذا، بين ضغطة "نشر" وموجة "ترند"، يُعاد تشكيل الذاكرة الشعبية بطريقة جديدة، أقرب إلى الاستهلاك السريع منها إلى الفهم العميق.

من بين هذه الأعمال، تبرز أغنية "ريت الوجع بيا ولا بيك"، المتداولة ضمن ما يُنسب إلى الفلكلور الحوراني–الأردني، والتي تقوم في بنيتها التعبيرية على ثنائية الألم المشترك، حيث لا يعود الوجع حكرًا على طرف واحد، بل يتحول إلى مساحة مشتركة بين “أنا وأنت”، تختلط فيها العاطفة بالخذلان، والحب بالانكسار.

هذا اللون من الغناء الشعبي لم يكن في أصله مجرد كلمات تُغنّى، بل انعكاسًا لبيئات اجتماعية كانت فيها العاطفة محكومة بثقل العادات، حيث لا يكتمل الحب دائمًا بالاختيار، ولا يصل الصوت دائمًا إلى نهايته الطبيعية.

وفي سياق مختلف، تظهر اللطميات العراقية مثل "غطّيت شعري والوجه والهبري" بوصفها أحد أشكال الإنشاد الحزين المرتبط بثقافة الرثاء في العراق، والتي تشكلت عبر أجيال داخل مجالس العزاء، كصوتٍ جمعيّ للفقد، وذاكرةٍ تتوارث الألم لا بوصفه حدثًا عابرًا، بل حالة وجدانية ممتدة. هذه اللطميات لم تُبنَ على فكرة الترفيه، ولم تُصغَ لتكون خلفية لمشهد عابر، بل نشأت من قلب الحزن نفسه، حيث يتحول الصوت إلى وسيلة للبكاء الجماعي، والذاكرة إلى طقس يُعاد إحياؤه بالصوت والإيقاع.

لكن التحول الحقيقي لا يكمن فقط في انتقال هذه المواد إلى منصات رقمية، بل في الطريقة التي تغيّر بها معناها داخل هذا الفضاء الجديد. فمع صعود خوارزميات السوشيال ميديا، لم يعد المعيار هو “ماذا تقول هذه الأغنية؟”، بل “كم ستنتشر؟”. وهنا تحديدًا يبدأ الانفصال التدريجي بين الأصل والاستخدام، بين النص وسياقه، بين الذاكرة وصورتها المعاد تدويرها.

في هذا السياق الرقمي، يمكن ملاحظة تغيّر أعمق في سلوك جزء من مستخدمي هذه المنصات؛ حيث لم يعد الترند يُستخدم بوصفه امتدادًا طبيعيًا لذوق أو فهم أو تفاعل مع المحتوى، بل تحوّل في كثير من الأحيان إلى أداة جاهزة للاستهلاك السريع وصناعة الحضور الرقمي.

كمشاهدين، يمكن ملاحظة أن بعض أنواع المحتوى على منصّات السوشيال ميديا تُنشر أو تُتداول بدافع تحقيق الترند والانتشار، أكثر من ارتباطها بفهم معناها أو خلفيتها الأصلية. إذ يُصبح معيار التفاعل أحيانًا هو مدى الانتشار وعدد المشاهدات، لا الدلالة أو السياق الذي خرج منه المحتوى.

وهذا ما يؤدي في كثير من الحالات إلى استخدام مواد صوتية أو بصرية خارج إطارها الأصلي، بحيث تتحول من تعبير مرتبط بسياق ثقافي أو تاريخي إلى مجرد وسيلة جذب رقمي سريعة

وهنا يظهر سؤال أكثر عمقًا من مجرد الاستخدام: هل ما زال الترند يُختار لأنه يُفهم ويُحسّ ويُعبّر، أم لأنه مجرد مفتاح سريع للظهور داخل فضاء مزدحم بالمحتوى؟

وهكذا، بين “ريت الوجع بيا ولا بيك” وبين اللطميات العراقية، لا يدور النقاش فقط حول الموسيقى أو الأصوات، بل حول الذاكرة نفسها: كيف تُنقل؟ كيف تُستخدم؟ وكيف يمكن لصوتٍ وُلد من وجعٍ حقيقي أن يتحول إلى خلفية عابرة في مشهد سريع الزوال؟

في النهاية، لا يبدو السؤال متعلقًا بالماضي بقدر ما هو متعلق بالحاضر:
هل ما زالت هذه الأصوات تُسمع بقلوبها… أم فقط بآذان تبحث عن الترند؟


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى