لماذا يصعب نقل اليورانيوم المخصب من إيران؟
التاج الإخباري -
تُشير تقارير إعلامية منشورة على مواقع مقربة من البيت الأبيض في الولايات المتحدة إلى أن الاستيلاء على أسطوانات اليورانيوم المخصب يُعد من أبرز الأهداف التي قد تضعها واشنطن في الحسبان في حال قررت تنفيذ عملية برية داخل إيران.
ورغم صعوبة تحديد مواقع هذه الأسطوانات، التي تتطلب جهودًا استخباراتية معقدة، إلا أن التحدي لا يقتصر على ذلك، إذ تبرز معضلة أكبر تتعلق بآلية نقل هذه المواد ذات الخصائص الحساسة، ما يجعل أي خطة من هذا النوع شديدة التعقيد، خاصة في ظل ظروف عسكرية معقدة.
وتبدو أسطوانات اليورانيوم المخصب ظاهريًا كأنها حاويات معدنية كبيرة، لكنها في الواقع تحتوي على مادة توصف بأنها من أخطر المواد على الأرض، نظرًا لخصائصها الفيزيائية المرتبطة بالوزن والضغط ودرجة الحرارة، ما يزيد من صعوبة التعامل معها ونقلها.
وينقل اليورانيوم المخصب عادة في صورة مركب سداسي فلوريد اليورانيوم، الذي يتحول إلى مادة صلبة بلورية عند درجات الحرارة المنخفضة لتسهيل النقل وتقليل المخاطر. وعند استخدامه في عمليات التخصيب، يُعاد تسخينه ليصبح في الحالة الغازية، ما يسمح بمروره عبر الأنابيب واستكمال المعالجة. وتتطلب هذه الخصائص إجراءات أمان صارمة أثناء النقل والتخزين لتفادي أي تسرب أو تغير في الضغط قد يؤدي إلى مخاطر كيميائية أو إشعاعية.
ويقول رئيس المركز المصري للفيزياء النظرية، الدكتور عبدالناصر توفيق، إن كثافة هذه المادة مرتفعة جدًا، إذ تبلغ في حالتها الصلبة نحو 5.1 غرامات لكل سنتيمتر مكعب، ما يجعلها أثقل بنحو خمسة أضعاف من الماء، وهو ما يعني أن كميات صغيرة منها تكون ذات وزن كبير.
وأضاف أن هذه الكثافة العالية تسمح بتخزين كميات كبيرة ضمن حجم صغير نسبيًا، لكنها في المقابل تجعل الأسطوانات المستخدمة في نقلها ثقيلة وصعبة المناولة، ما يفرض تحديات لوجستية إضافية.
وتتطلب عملية نقل هذه المادة استخدام معدات متخصصة وحاويات قوية تتحمل الأوزان المرتفعة، إلى جانب ضرورة إجراء حسابات دقيقة لتوزيع الأحمال، مع الأخذ بعين الاعتبار المخاطر الميكانيكية مثل الصدمات أو السقوط أثناء النقل.
وبحسب تقرير للوكالة الدولية للطاقة الذرية، يجب نقل هذه المادة تحت ضغط أقل من الضغط الجوي لتقليل احتمالات التسرب. كما أشار التقرير إلى أن الأسطوانات المستخدمة تُعد حاويات متعددة الاستخدام، إذ تُستخدم في النقل والتخزين والإنتاج داخل المنشآت النووية، ما يعرضها بمرور الوقت لتأثيرات التآكل الميكانيكي والكيميائي والإجهاد الحراري.
ولا تقتصر التحديات على الوزن، إذ تبرز مخاطر مرتبطة بارتفاع درجات الحرارة. ويوضح الدكتور عبدالناصر أن بعض مركبات اليورانيوم قد تتعرض لارتفاع تدريجي في الحرارة نتيجة التحلل الإشعاعي الذاتي، حيث تطلق الذرات غير المستقرة طاقة تتحول جزئيًا إلى حرارة تتراكم داخل المادة، خاصة عند تخزينها في حاويات مغلقة.
ووفق تقرير لهيئة التنظيم النووي الأمريكية، فإن هذا الارتفاع الحراري قد يؤدي إلى تمدد المادة أو الغاز داخل الأسطوانة، ما يزيد الضغط الداخلي مع مرور الوقت، ويؤدي إلى إجهاد جدران الحاوية واحتمال ظهور تشققات دقيقة أو تأثر نظام العزل.
كما أظهرت دراسة صادرة عن مختبر أوك ريدج الوطني في الولايات المتحدة، نشرتها مجلة "جورنال أوف راديوأناليتكال أند نيوكليير كيمستري"، أن التعرض المباشر لأشعة الشمس أثناء النقل قد يؤثر على توزيع المادة داخل الأسطوانة، ما قد يؤدي إلى قراءات غير دقيقة لمستوى التخصيب عند استخدام الأجهزة التقليدية.
وأوضحت الدراسة أن الحرارة قد تتسبب في تغيّر تركيب المادة مع نواتج التحلل، ما يجعل الأسطوانة تبدو آمنة وفق القياسات، رغم احتمال اختلاف محتواها الفعلي، إضافة إلى أن التمدد الحراري يزيد الضغط الداخلي ويرفع احتمالية حدوث تشققات أو تلف في نظام العزل، خاصة مع التعرض للصدمات والاهتزازات.
ويؤكد الخبراء أن الأخطاء الصغيرة قد تتحول إلى مخاطر كبيرة، إذ قد يؤدي الاهتزاز الزائد إلى تلف الحاويات، كما أن الارتفاع غير المحسوب في الحرارة قد يتسبب بتمدد المادة أو تضرر العزل، في حين قد تؤدي الصدمات أثناء النقل إلى تشققات دقيقة قد تتطور لاحقًا إلى تسرب، فضلًا عن احتمالية الأخطاء البشرية في الإغلاق أو التثبيت.
وتشير دراسات عدة، من بينها دراسة منشورة في مجلة "أتموسفيريك إنفايرونمنت"، إلى أن تسرب مركب سداسي فلوريد اليورانيوم يشكل خطرًا كبيرًا عند تفاعله مع الرطوبة الجوية، حيث يتحول إلى مركبات مثل فلوريد الهيدروجين ويوريل فلوريد، وهي مواد قد تسبب تهيجًا حادًا للجهاز التنفسي والعينين وتآكل الجلد، كما يمكن أن تبقى عالقة في الهواء أو تترسب في التربة والمياه.
وبناءً على ذلك، يُعد التعامل مع اليورانيوم عالي التخصيب عملية بالغة الحساسية، ليس فقط بسبب طبيعته النووية، بل أيضًا نتيجة خصائصه الفيزيائية والكيميائية التي تفرض معايير صارمة للنقل والتخزين.
وإذا كانت هذه التحديات قائمة في الظروف الطبيعية، فإن تنفيذ عمليات عسكرية تهدف إلى الاستيلاء على هذه المواد ونقلها خارج إيران يضاعف من حجم المخاطر والتعقيدات.
الرجاء الانتظار ...