الشربجي تكتب: أين الأردن من حرب الممرات الصراع الحقيقي الذي لا يُعلن .. عنق الزجاجة في المشرق
التاج الإخباري -
بقلم : علا الشربجيما يجري اليوم ليس تنافساً اقتصادياً كما يُقدَّم في الخطاب الرسمي ولا هو خوفاً على الشعوب ، بل هو إعادة تشكيل صامتة لموازين القوة العالمية "حرب الممرات ".. هي التعبير الأكثر دقة لهذه الساحة حيث لم تعد السيطرة تُقاس بعدد القواعد العسكرية ، بل بعدد المسارات التي تمر تحت النفوذ القوى الكبرى لم تعد تحتاج إلى احتلال الأرض ، يكفي أن تتحكم بما يمر فوقها إنها لعنة الجغرافيا .
في السابق كانت الجغرافيا معالم ثابتة .. اليوم يتم إعادة هندسة هذه المعالم وإعادة تشكيلها مشاريع الممرات سواء كانت برية أو بحرية أو حتى رقمية ليست بريئة ، هي أدوات لإعادة تعريف من هو المركز ومن هو الهامش .
عندما يتم إنشاء ممر جديد ، فالسؤال الحقيقي ليس كم سيُسرّع التجارة ؟؟ بل من سيتم تجاوزه ؟؟ ومن هو المتحكم بالعبور؟؟
لأن كل ممر جديد يعني عملياً إضعاف مسار قائم ، وتقليص دور دولة ، وتعزيز نفوذ دولة أخرى ، لهذا نرى سباقاً محموماً ليس لفتح الطرق فقط … بل لإلغاء طرق أخرى
الممرات ليست طرقاً بل أسلحة وأدوات نفوذ ومفتاح لمن يسيطر على العالم بصمت .
لفهم الصورة بشكل أوضح يكفي النظر إلى ما يحدث حولنا اليوم …
فالممر الاقتصادي بين الهند وأوروبا ليس مجرد مشروع تجاري بل محاولة لإعادة رسم طرق التجارة وخلق توازن جديد في النفوذ ومبادرة الحزام .
الطريق الصينية ليست مجرد طرق واستثمارات بل شبكة نفوذ تمتد عبر القارات لربط الاقتصاد العالمي بالمركز الصيني
قناة السويس لم تعد مجرد ممر مائي بل ورقة سيادية تتحكم بجزء كبير من التجارة العالمية
مضيق هرمز يثبت كيف يمكن لممر ضيق أن يتحكم بإمدادات الطاقة العالمية ويُستخدم كورقة ضغط سياسية .
مشاريع الربط البري والسككي بين الخليج وأوروبا تعكس سباقاً صامتاً لاختيار الطريق الأسرع والأكثر أمناً .
حتى كابلات الإنترنت البحرية أصبحت جزءاً من هذه الحرب لأن من يتحكم بتدفق البيانات يملك نفوذاً لا يقل عن السيطرة على النفط .
العالم اليوم يبحث عن السرعة .. أقصر طريق للطاقة وأقصر طريق للبضائع ، وأقصر طريق للتأثير .
السرعة أصبحت سلطة … ومن يملكها يفرض قواعد اللعبة ، كل ممر يُفتح يعني آخر يُغلق .. وكل طريق يُرسم يعني إسقاط مسار آخر .
التحكم في الممر هو حرب صامتة … أخطر ما في هذه المرحلة أن الصراع لا يُدار عبر المواجهة المباشرة فلا دبابات ولا جنود على الارض ، بل يحصل عبر اتفاقيات طويلة الأمد واستثمارات ضخمة مشروطة ، وضغوط سياسية غير معلنة .
إذ تُستدرج الدول أحياناً تحت عنوان التنمية لكنها تجد نفسها داخل شبكة نفوذ يصعب الخروج منها . وهنا تتحول السيادة من مفهوم قانوني إلى اختبار عملي .
كيف ؟؟
يعني تكون الدولة مستقلة شكلياً لكنها مقيّدة القرار لا تستطيع فرض شروطها على ما يمر عبر أرضها
الشرق الأوسط لم يعد مجرد ممر .. بل أصبح ساحة حسم في تحديد شكل النظام العالمي القادم ، لأنه يجمع بين الموارد والتوتر والموقع في آن واحد وكل الممرات الكبرى تمر من خلاله أو بالقرب منه .
لذلك ما يبدو اقتصادياً هو في جوهره سياسي وما يبدو تعاوناً قد يكون إعادة تموضع استراتيجي
أما الأردن فلم يكن يوماً دولة هامشية ، بل هو حالة اختبار حقيقية في هذه المعادلة .
لماذا الأردن ؟؟
لأن موقعه يضعه أمام خيارين إما أن يكون شريكاً فاعلاً يفرض شروطه ، أو مجرد ممر تُرسم خطوطه من الخارج .
والتحدي لا يكمن في قبول أو رفض المشاريع بل في القدرة على التفاوض من موقع قوة مع تنويع الخيارات ، وعدم الارتهان لمسار واحد .
لأن الارتهان في حرب الممرات يعني فقدان القرار حتى لو بقيت الدولة قائمة شكلياً .
الأردن هنا … يمثل "عنق الزجاجة في المشرق "، بحكم استقراره السياسي وموقعه الجغرافي .
هذا الموقع ليس عبئاً .. بل ورقة قوة ، فمن يمر عبره ، يدخل ضمن معادلة توازن ، ومن يحاول تجاوزه يفتح على نفسه تعقيدات سياسية وأمنية تتجاوز الجغرافيا .
عندما يتحرك الملك عبد الله الثاني بين العواصم فهو لا يشرح موقع الأردن ، بل يعيد تعريفه .
الرسالة واضحة … أي مشروع في المنطقة يجب أن يقوم على التوازن لا الإقصاء ، و أي ممر يتجاهل الأردن سيواجه تعقيدات تتجاوز الجغرافيا إلى السياسة والأمن
الأردن ليس مجرد أرض عبور بل شريك في القرار وهذه ليست دبلوماسية تقليدية بل إدارة ذكية للموقع الجيوسياسي
في النهاية الأردن ليس ممراً بل قرار في زمن تُرسم فيه الخرائط بصمت .
لا يقف على الهامش بل على الخط الفاصل بين أن تكون جزءاً من اللعبة أو أن تفرض قواعدها .
هنا يتجلى دور جلالة الملك عبد الله الثاني ليس كقائد يواكب المشهد .. بل كصانع موقع داخله تحركاته ليست زيارات بروتوكولية بل رسائل سيادية واضحة أن الأردن لن يُختصر بخط على خريطة ولن يُختزل بدور ممر بل يفرض نفسه كحقيقة جيوسياسية لا يمكن تجاوزها .
وفي عالم قد تُختصر فيه دول وتُلغى أدوار تبقى الدول التي تفهم موقعها قادرة على فرض نفسها والأردن يسأل الآخرين كيف سيمرّون من دونه ومن لا يفهم أن هذا البلد يفرض نفسه كواقع جيوسياسي سيصطدم بهذه الحقيقة عاجلاً أم آجلاً
الرجاء الانتظار ...