منصور يكتب: صراع الفكر والسلطة
التاج الإخباري -
بقلم: د. عاصم منصور.سمعت اسم القائد البعثي العراقي عبد الخالق السامرائي للمرة الأول من خلال متابعتي لقناة "تلك الأيام" التي يبث من خلالها الدكتور حميد عبد الله إضاءات على صفحات من التاريخ العراقي الحديث. ولا أدري لماذا قفز إلى مخيلتي حينها وجه الشبه بين السامرائي وقائد ثوري آخر أغرمت بسيرته الثورية في فترة الصبا وقرأت عنه من عدة مراجع، أقصد هنا القائد والمنظر الشيوعي ليون تروتسكي رغم أنهما ينتميان إلى عالمين متناقضين فكريًا. فالأول ينطلق من خلفية قومية عربية، بينما يعد الثاني أحد أبرز رموز الفكر الماركسي الثوري. لكن هذا التباين الأيديولوجي الحاد، لم يحل دون وجود نقاط تشابه لافتة بين مصير الرجلين تستحق التأمل.
فكليهما كان مثقفًا سياسيًا عميقًا، لم يكتفِ بالدور التنظيمي التقليدي، بل ساهم في بناء الخطاب الفكري والأيدولوجي داخل حركته. السامرائي عُرف براهب حزب البعث وبكونه من أبرز العقول المنظّرة داخل الحزب ما أكسبه شعبية حزبية كبيرة جلبت له حسد المتنازعين على السلطة. أما تروتسكي، فكان أحد مهندسي الثورة البلشفية، ومفكرًا بارزًا في تطوير نظرية “الثورة الدائمة”، إضافة إلى دوره القيادي في بناء الجيش الأحمر.
كما أن كلا الرجلين دخل في صراعات داخلية حادة مع مراكز القوى داخل حزبه، فخسر تروتسكي صراعه الشهير مع ستالين، وانتهى به الأمر منفيا ثم مطاردا فقتيلا. ولا يقل مصير السامرائي مأساوية عن مصير تروتسكي فقد وجد نفسه في قلب صراعات السلطة داخل النظام العراقي، حيث تم تهميشه ثم اعتقاله وإعدامه في سياق تصفية داخلية معقدة.
كما يمكن ملاحظة أن الاثنين مثّلا، بدرجة ما، تيارًا يُنظر إليه على أنه أكثر التزامًا بالمبادئ النظرية للحزب مقارنة بالقيادات التي كانت أكثر دهاء فحسمت الصراع لصالحها. وهذا “النقاء الفكري” النسبي، إن صح التعبير، لم يشكل مصدر قوة لصاحبيه بقدر ما أصبح عامل ضعف في بيئة سياسية تحكمها اعتبارات القوة والتحالفات.
ولا يمكن إغفال أن كليهما دفع ثمن موقعه داخل النظام الذي ساهم في تأسيسه وبنائه، وهنا تظهر مفارقة لافتة، في أن الثورات والأنظمة قد تنقلب من ساهم في تأسيسها والتنظير لها حين تتغير موازين القوى، في دلالة على حتمية صراع الفكر مع السلطة، والتي غالبا ما تكون لصالح السلطة، وهذه قصة تتكرر بأشكال مختلفة، لكن جوهرها يبقى واحدًا، فليس كافيًا أن تكون صاحب فكر، بل الأهم كيف تحمي موقعك داخل معادلة القوة.
* للمهتمين بالاطلاع على سيرة تروتسكي أنصح بسلسلة كتب: النبي المسلح، النبي الأعزل والنبي المنبوذ لإسحق دويتشر
الرجاء الانتظار ...