أبو باسل .. سيرة رجلٍ ستعيش في قلوب الناس

التاج الإخباري -

همام فريحات.

بكل حزنٍ يعتصر القلب، وبكلماتٍ يثقلها الفقد، نكتب في وداع رجلٍ لم يكن عابراً في حياة الناس، بل كان حكاية خيرٍ تمشي بينهم، وأثراً طيباً سيبقى ما بقيت الذكريات… الحاج محمد عبد الرحمن الفريحات “أبو باسل”، الطبيب الصيدلاني الذي عرفه الجميع بإنسانيته قبل مهنته، وبقلبه الكبير قبل اسمه.

لم يكن “طبيب الغلابة” مجرد لقبٍ يُقال، بل كان نهج حياةٍ عاشه بكل تفاصيله. فما دخل عليه مريضٌ إلا وخرج مطمئناً، وما قصده محتاجٌ إلا وجد عنده الدواء والكلمة الطيبة معاً، وكأن الله جمع له بين شفاء الجسد وجبر الخاطر. لم يكن ينظر إلى الناس بقدر ما يملكون، بل بما يحتاجون، فكان يعطي بسخاء، ويخفف الألم بصدق، ويقف مع الضعيف قبل القوي، حتى أصبح ملاذاً لكل من ضاقت به الدنيا.

كانت يده ممدودة دائماً لعمل الخير، لا تُغلق في وجه أحد، ولا تتأخر عن واجب، وكان يؤمن أن الخير لا يُؤجل، وأن خدمة الناس عبادة لا تقل شأناً عن أي عملٍ آخر. فكم من محتاجٍ أعانه، وكم من مريضٍ واساه، وكم من قلبٍ مكسورٍ جبره دون أن ينتظر شكراً أو مقابلاً.

وكانت له بصمة خاصة في عمله الصيدلاني، حيث لم يكن مجرد مهنة، بل رسالة إنسانية يحملها بكل أمانة، حتى قيل بين الناس إن في يديه بركة، وفي حضوره راحة، وفي كلماته طمأنينة، فاجتمع له حب الناس ودعاؤهم الصادق.

لم يكن حضوره عادياً، بل كان إذا حضر حضر معه الأمان، وإذا غاب افتقده الجميع. كان يعرف تفاصيل الناس، يشاركهم أفراحهم، ويواسيهم في أحزانهم، وكأنه واحدٌ من كل بيت، لا يفصل نفسه عنهم، ولا يرفع مكانته عليهم، بل يقترب أكثر كلما احتاجوه.

وفي زمنٍ أصبحت فيه الماديات تطغى على القيم، بقي هو نموذجاً نادراً للإنسان الذي يعطي بلا حساب، ويخدم دون انتظار، ويزرع الخير أينما حلّ. ترك وراءه سيرةً تُروى، ومواقف تُذكر، وقلوباً تدعو له في السر قبل العلن.

أما في المسجد، فكان مشهده لا يغيب… دائماً في الصف الأول، ثابتاً على صلاته، قريباً من الله، وكأن حياته كانت متوازنة بين العبادة وخدمة الناس، فكان مثالاً للرجل الذي جمع بين صلاح الظاهر ونقاء الباطن.

ولعل أصعب ما في الفقد، أن ترحل القامة ويبقى الفراغ، أن يغيب الصوت الذي اعتدناه، وتبقى صداه في الذاكرة. لكن عزاءنا أن من يزرع الخير، لا يرحل حقاً، بل يبقى في دعوةٍ صادقة، وفي أثرٍ طيب، وفي ذكرٍ لا يغيب.

لقد رحل الجسد، لكن الروح التي أحبّت الناس ستبقى حيّة في كل من عرفه، وفي كل محتاجٍ ساعده، وفي كل دمعةٍ خففها، وفي كل ابتسامةٍ رسمها على وجه مريض.

نم قرير العين يا “أبا باسل”، فقد كنت إنساناً كما يجب أن يكون الإنسان…
وتركت خلفك إرثاً من الرحمة لا يُنسى، وسيرةً ستبقى تُحكى جيلاً بعد جيل.

رحمك الله رحمةً واسعة، وجعل ما قدمت في ميزان حسناتك، وألهم أهلك ومحبيك الصبر والسلوان.




مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى