الجريري يكتب: القضاء الأردني… ميزان الدولة وهيبة العدالة.

التاج الإخباري -

بقلم: المحامي صالح الجريري.

في بنية الدولة الحديثة، لا يُقاس رسوخها فقط بما تمتلكه من أدوات القوة، بل بمدى صلابة منظومتها القضائية، باعتبارها الحارس الأمين للحقوق، والضامن الفعلي لتكافؤ الفرص أمام القانون، وفي الأردن، شكّل القضاء على الدوام إحدى الركائز الجوهرية التي تستند إليها الدولة في ترسيخ مفهوم سيادة القانون، بوصفه نهجًا لا يقبل التبديل أو المساومة.

لم يكن القضاء الأردني يومًا مجرد جهاز إداري للفصل في النزاعات، بل هو سلطة دستورية مستقلة، تتجلى فيها إرادة العدالة المجردة، بعيدًا عن التأثيرات والضغوط، هذه الاستقلالية لم تأتِ صدفة، بل هي نتاج تراكم مؤسسي طويل، عززته الإرادة السياسية، وكرّسته النصوص الدستورية، ورسخته الممارسات القضائية التي سعت إلى تحقيق التوازن بين النص وروح القانون.

لقد استطاع القضاء الأردني، عبر محطاته المختلفة، أن يواجه تحديات معقدة فرضتها التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وأن يحافظ في الوقت ذاته على ثقة المجتمع، وهي الثقة التي تُعد رأس المال الحقيقي لأي منظومة قضائية، فالمواطن، حين يلجأ إلى القضاء، لا يبحث فقط عن حكم، بل عن شعور عميق بالإنصاف، وهو ما نجح القضاء الأردني في تكريسه إلى حد بعيد.

وفي ظل مسارات التحديث التي تشهدها الدولة الأردنية، برزت الحاجة إلى تطوير المنظومة القضائية بما يواكب متطلبات العصر، سواء من حيث تسريع إجراءات التقاضي، أو إدخال التكنولوجيا في العمل القضائي، أو تعزيز كفاءة الكوادر البشرية،، وهنا، يمكن قراءة التحولات الأخيرة في إطار رؤية شمولية تهدف إلى الانتقال بالقضاء من مجرد سلطة فاصلة، إلى شريك فاعل في التنمية الشاملة.

غير أن التحدي الأبرز الذي يواجه القضاء، لا يكمن فقط في تطوير أدواته، بل في حماية صورته الذهنية لدى الرأي العام، في ظل بيئة إعلامية مفتوحة، تتسارع فيها الأحكام المسبقة، وتختلط فيها الحقائق بالانطباعات، فالقضاء، بطبيعته، يعمل بصمت ووفق إجراءات دقيقة، بينما الرأي العام يتفاعل بسرعة مع أي قضية، ما يفرض ضرورة تعزيز الوعي القانوني، وتكريس ثقافة احترام القضاء وأحكامه.

إن قوة القضاء لا تُقاس بعدد القضايا التي يُبتّ فيها، بل بقدرته على ترسيخ العدالة كقيمة مجتمعية، وعلى حماية الدولة من الانزلاق نحو الفوضى القانونية، ومن هنا، فإن أي مساس بهيبة القضاء، أو التشكيك غير المسؤول في نزاهته، لا يُعد مجرد رأي، بل يمثل تهديدًا مباشرًا لمنظومة الدولة بأكملها.

في المحصلة، يبقى القضاء الأردني عنوانًا لهيبة الدولة، ومرآةً لعدالتها، وضمانةً لاستقرارها، وهو، رغم كل التحديات، يواصل أداء دوره بثبات، مستندًا إلى إرث مؤسسي راسخ، ورؤية إصلاحية تتطلع إلى المستقبل، حيث العدالة ليست مجرد شعار، بل ممارسة يومية تُصان بها الحقوق، وتُبنى بها الأوطان.




مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى