شاهين يكتب: الصواريخ التي خذلت غزة…وجنوب لبنان وأنقذت طهران اسئلة تلاحقني منذ بداية الحرب

التاج الإخباري -

بقلم: عمر شاهين .

بعيدًا عن السجال التقليدي حول إيران، وبعيدًا عن الاصطفافات الجاهزة، يظل هناك سؤال لا يمكن القفز عنه، ولا دفنه تحت ضجيج الشعارات:
لماذا صمتت هذه القوة كل هذا الوقت… ثم تكلمت الآن فقط؟
ما جرى في الأيام الأولى من الحرب كان كفيلًا بإسقاط أنظمة، لا مجرد إرباكها. ومع ذلك، صمدت إيران، ونجت من سيناريو الانهيار الكامل، ومن شبح الفوضى الداخلية، ومن احتمال الانفجار الشعبي. هنا، لم تعد الحرب كما بدأت؛ لقد فقدت هدفها الأول، وتحولت إلى اختبار كسر عظم مفتوح.
اليوم، لم يعد أمام الولايات المتحدة إلا خياران:
إما التراجع، أو الذهاب إلى مواجهة شاملة برًا وبحرًا وجوًا لإسقاط النظام. لكن هذا الخيار، رغم صخبه، يبدو مستحيلًا؛ لأن الداخل الأمريكي نفسه يدرك أن هذه حرب تُخاض من أجل إسرائيل، لا من أجل أمريكا.
لكن السؤال الحقيقي، القاسي، والذي لا يريد أحد الإجابة عنه:
أين كانت هذه الصواريخ… عندما كانت غزة تُسحق؟
أين كانت هذه القوة… عندما كانت النار تلتهم البشر والحجر؟
أين كانت إيران… وهي تقف على حدود سوريا، على تماس مباشر، عند نقطة الصفر مع الاحتلال؟
لماذا لم تبدأ المعركة حينها؟
لماذا لم تُفتح الطريق نحو القدس عندما كانت الظروف—نظريًا—أكثر ملاءمة؟
وأين كانت عندما كان حليفها، حزب الله، يُستنزف بضربات مركزة، واغتيالات دقيقة، وتفكيك منهجي لبنيته العسكرية؟
ثم، فجأة… انفجرت كل هذه القوة، لكن ليس حين كان الآخرون يُذبحون، بل حين اقترب الخطر من قلب النظام نفسه.
هنا فقط، تغيّرت المعادلة.
أنا لا أطرح السؤال من باب الجهل، بل من باب تثبيت ما سيقوله التاريخ لاحقًا ببرود لا يرحم:
إيران دخلت الحرب عندما أصبحت مهددة، لا عندما كان حلفاؤها يُستنزفون.
دخلت دفاعًا عن نفسها—وهذا حق مشروع—لكن ليس دفاعًا عن غزة، ولا عن لبنان، ولا عن القدس.
ومع ذلك، وبعيدًا عن الأخلاق والشعارات، هناك حقيقة أخرى لا يمكن إنكارها:
إيران لم تُكسر.
امتصت الضربة، وردّت، وفتحت جبهة صاروخية، ولوّحت بإغلاق مضيق هرمز، ونجحت—حتى الآن—في حماية نظامها من السقوط.
وهذا وحده، في منطق الحروب، يُحسب لها.
إذا بقي الحرس الثوري، وبقيت منصات الصواريخ تعمل، فإن إيران—بكل هذا الدمار—تخرج منتصرة. لأن ما يُدمَّر يُعاد بناؤه، أما الأنظمة حين تسقط فلا تعود.
اغتيال القيادات؟
لم يغيّر شيئًا جوهريًا.
هذا نظام لا يقوم على أفراد، بل على عقيدة متجذرة، وعلى ماكينة بشرية قادرة على إنتاج آلاف البدائل.
هؤلاء ليسوا نسخة أخرى من حزب البعث في العراق أو سوريا.
هؤلاء بنية عقائدية عسكرية ممتدة في المجتمع، لا تختصر في رأس يمكن قطعه.
نعم، ستخرج إيران أكثر عداءً للعالم العربي، وأكثر عزلة، وربما أكثر حذرًا في تحريك أدواتها في اليمن ولبنان والعراق.
لكنها، في المقابل، ستخرج أيضًا أكثر صلابة، وأكثر خبرة، وأكثر خطورة.
وقد تتحول—رغم كل شيء—إلى نموذج مغرٍ لحلفاء كروسيا والصين وكوريا؛ نظام صمد تحت أقسى الضربات، ولم ينكسر.
وفي النهاية، سنصل إلى خلاصة قاسية وبسيطة:
إيران لم تراهن على الشعارات… بل على الصواريخ.
ولم تنتظر أحدًا… بل انتظرت اللحظة التي يُهدَّد فيها وجودها.
وحين جاءت تلك اللحظة… تكلمت.




مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى