الحباشنة يكتب: الأردن ليس أبيض وأسود… الأردن وطن
التاج الإخباري -
بقلم: م. عامر الحباشنة.في خضمّ التصعيد المتسارع بين الولايات المتحدة وإزرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، يطفو على السطح خطابٌ بقصد او بغيره يحاول اختزال المشهد الأردني في ثنائية زائفة: إما أبيض أو أسود، إما مع هذا المعسكر أو ضده.
هذا الطرح ليس تبسيطًا مخلًا فقط، بل محاولة تزييف الوعي وجرّ الأردنيين إلى اصطفافات لا تعبّر عن واقعهم ولا عن مصالحهم. فالأردنيون، كأي مجتمع حي، يختلفون في تقييمهم لإيران. هذا الاختلاف مشروع، تحكمه اعتبارات التاريخ والجغرافيا والدين والسياسة، إضافة إلى تباين القراءات للدور الإيراني في المنطقة، بما فيه من طموحات وتدخلات مثيرة للجدل في أكثر من ساحة خلال عقود سواءفي العهد الشاهنشاهي أوالعهد الثوري. في هذا السياق، تتعدد الآراء بين مؤيد ومعارض ومحايد، دون أن يمسّ ذلك جوهر الإجماع الوطني.
لكن هذا التباين لا يمتد إلى الثابت الأساس. فالأردنيون، على اختلاف توجهاتهم، يدركون أن العدو الثابت في وعيهم السياسي والتاريخي مرتبط مباشرةً بجذور الصراع في فلسطين وهوالكيانالصhيوني. هذا الإدراك لم يتشكل لحظة انفعال، بل هو حصيلة عقود من الصراع، ونتاج تضحيات ووفاء لدماء راسخة في الوجدان الوطني ارتوت بها الأرض المقدسة.
المشكلة تبدأ حين يُراد تحويل الموقف من إيران إلى معيار وحيد لتحديد موقع الأفراد في الصراع. هذه معادلة مختلة لا تصمد أمام أي تحليل جاد؛ إذ إن رفض مشروع إقليمي لا يعني القبول بعدو تاريخي، كما أن التمسك بالثوابت لا يفرض بالضرورة الاصطفاف مع أطراف أخرى.
الأردن، بحكم موقعه وحساسية بيئته الإقليمية، لا يحتمل سياسات الاستقطاب الحاد، ولا يمكن اختزاله في خنادق الآخرين. هو دولة لها مصالحها، وقراراتها، وتوازناتها التي تُبنى على قراءة دقيقة للواقع، لا على شعارات آنية أو ضغوط عاطفية.
وعندما يتعلق الأمر بأمن الأردن واستقراره، تسقط كل الاعتبارات الأخرى. هنا تصبح المصلحة الوطنية هي المرجع الوحيد، والبوصلة التي يجب أن تتجه إليها كل المواقف، دون تردد أو مواربة.
فرق جوهري بين عدو ثابت وجار طامح. والتعامل مع هذا الواقع لا يكون بمنطق المقايضة أو المفاضلة القسرية، بل بفهم عميق لتعقيدات المشهد، وبقدرة على التمييز دون انزلاق إلى خيارات خاسرة.
إن أخطر ما يمكن أن نواجهه اليوم ليس فقط التهديدات الخارجية، بل محاولات تفكيك الوعي الداخلي، عبر فرض ثنائيات حادة لا تعكس حقيقة المجتمع ولا نضجه السياسي وتؤدي لتفتيه وتزيف مواقفه الجوهرية.فالأردن لم يكن يومًا ساحة لتصفية الحسابات، ولن يكون، هو وطن، وبوصلته يجب أن تبقى دائمًا مصلحته العليا، واستقراره، وحماية أرضه وشعبه.
فلنتعلم من تجارب الآخرين الذين دفعوا ثمن تحويل أوطانهم إلى ميادين لصراعات الغير، ولنتجنب إعادة إنتاج الأخطاء ذاتها.
الأردن ليس أبيض وأسود…
الأردن وطن.
المهندس عامر الحباشنة
الرجاء الانتظار ...