هندسة الرحمة: كيف يتشابك "النظام الإنساني الدولي" مع المال العالمي واللقاحات والأمن الحيوي والمناخ

التاج الإخباري -


بقلم خبير الاستخدام المزدوج للأمن الحيوي والأسلحة البيولوجية: الدكتور حازم اسكندر حداد


نبدا مقالنا بالطرح اللافت لتساءل صاحب السمو الملكي الامير الحسن بن طلال "هل نحتاج إلى الأمم المتحدة ام الي الشعوب المتحدة" في مقابلة خاصة أجرتها القناة الوطنية البلغارية ضمن برنامج بانوراما، مع المذيع بويكو فاسيليف، يوم الجمعة 23 كانون الثاني. وهنا اعيد واذكر بتعريف مايكل بارنيت بان النظام الإنساني الدولي بأنه مركّب من المعايير والمؤسسات غير الرسمية والقوانين والخطابات التي تُشرعن، بل وتدفع، أنواعاً مختلفة من التدخلات من قبل فاعلين دوليين وغير دوليين بهدف صريح هو حماية الحياة البشرية، ومن هنا تبدأ العلاقات الشبكية لأننا لا نتعامل مع جهاز واحد اسمه العمل الإنساني، بل مع منظومة توزيع أدوار تتكامل فيها الشرعية المتمثلة فيمن يملك حق التدخل، والمعرفة التي تحدد من يعرّف الخطر والحل، والتمويل الذي يحدد من يدفع وبأي شروط، وصولاً إلى الأمن الذي يحدد متى تصبح المعاناة ملفاً أمنياً بامتياز. كما في بحثي المنشور اعادة تعريف الأسلحة البيولوجية و صياغة مفاهيم الأمن البيولوجي العالمي رابط مقال والبحث :

https://www.altaj.news/article/535748


Redefining biological weapons in the evolving AI, CRISPR, and biothreat landscape
https://doi.org/10.1016/j.jemep.2025.101176
وفي قلب هذه الشبكة تقف الأمم المتحدة بوصفها منصة الإنتاج المؤسسي للشرعية، بينما يتحول مجلس الأمن إلى عقدة التسييس الأعلى حين تُترجم المخاطر إلى التزامات ملزمة أو مسارات امتثال ومراقبة، ويظهر هذا بوضوح في قرار مجلس الأمن 1540 لعام 2004 الذي يفرض على الدول التزامات قانونية لمنع تقديم أي دعم لجهات غير دولية تسعى إلى تطوير أو حيازة أسلحة نووية كما هو حاصل مع ايران أو كيميائية أو بيولوجية، مع إلزام الدول بإنشاء ضوابط وطنية وتشريعات مناسبة، كما أن لجنة 1540 نفسها تعمل كآلية متابعة داخل مجلس الأمن لمساندة تنفيذ القرار وتقييم الامتثال وبناء القدرات، ما يجعل الأمن البيولوجي بوابة رسمية يدخل عبرها الإنساني إلى فضاء الأمن الدولي الصلب.
وعلى خط موازٍ، تعمل اتفاقية الأسلحة البيولوجية ضمن بنية أممية مختلفة عبر مكتب الأمم المتحدة لشؤون نزع السلاح، حيث توجد وحدة دعم التنفيذ التي أُنشئت في جنيف عام 2006 لتقديم الدعم الإداري وتسهيل التنفيذ الشامل للاتفاقية وتعميمها وتبادل تدابير بناء الثقة، وهذا المسار لا يصدر أوامر كقرارات مجلس الأمن، لكنه يصنع بنية معيارية إجرائية طويلة النفس تُحوِّل الأمن الحيوي إلى ممارسة مؤسسية تشمل الاجتماعات والتقارير وأدوات الشفافية واللغة المشتركة عن المخاطر والمسؤوليات، أما منظمة الصحة العالمية فتحتل في الشبكة موقع صانع الحقيقة التقنية، فهي تقود كلستر الصحة ضمن منظومة التنسيق الإنساني وتقدم دعم الأمانة الفنية عبر فريق الكلستر داخل برنامج الطوارئ الصحية في المنظمة.
وعندما نقترب من لجان اللقاحات يظهر مركز ثقل معرفي دقيق إذ تُكلَّف لجنة ساج بتقديم المشورة للمنظمة حول السياسات والاستراتيجيات العالمية للتمنيع، بما يشمل اللقاحات والتكنولوجيا وإيصالها وربطها بتدخلات صحية أخرى، وعلى مستوى السلامة تُقدّم اللجنة العالمية الاستشارية لسلامة اللقاحات مشورة علمية مستقلة وسريعة بشأن قضايا سلامة اللقاحات ذات الأهمية العالمية، وبهذه الآلية تتحول اللقاحات من منتج طبي إلى عقدة حوكمة، حيث تُنتج التوصية التقنية معياراً يصبح لاحقاً شرط تمويل أو أولوية استجابة أو ركيزة خطاب شرعي عن إنقاذ الأرواح.
وهنا يدخل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي بوصفهما مُشغِّلين لطبقة التمويل والاستقرار الكلي التي تحدد قدرة الدول على الاستجابة، إذ يمتلك البنك الدولي مبادرة الترابط الإنساني والتنموي والسلام التي تنص على تحديد نتائج جماعية وتنفيذ استجابات شاملة ومحاذاة التخطيط متعدد السنوات، كما أن نافذة الاستجابة للأزمات في المؤسسة الدولية للتنمية تستند إلى مدخلات من منظمة الصحة العالمية وصندوق النقد الدولي، وبهذا يصبح التمويل عقدة ربط بين المعرفة والقرار، فيتحول تعريف المخاطر الصحية والاقتصادية إلى مفاتيح تفتح أو تغلق مسارات التمويل، بينما يدخل صندوق النقد الشبكة عبر أدوات تخفيف العبء المالي مثل الصندوق الاستئماني لاحتواء الكوارث وتخفيف أعبائها الذي يقدّم تخفيفاً لخدمة الدين لأفقر الدول بهدف تحرير موارد لتغطية الاحتياجات الطارئة.
إن النتيجة الشبكية هنا ليست مؤامرة ولا إنسانية خالصة، بل توازن مصالح يتطلب فيه إنقاذ الأرواح سيولة واستقراراً وسردية شرعية مدعومة بمعرفة الخبراء واللجان، ويبقى التغير المناخي هو المُدخل الذي يعيد ترتيب الشبكة عبر تكثير الأزمات من جفاف وفيضانات ونزوح، ثم إعادة تعريف هذه السلسلة داخل مجلس الأمن بوصفها مخاطر على السلم والأمن، وعندما تُؤطَّر المخاطر المناخية كتهديدات أمنية فإنها تدفع المنظومة الإنسانية نحو مزيد من التداخل مع أدوات الأمن والتمويل والتخطيط، وهو ما ينسجم مع ميل النظام الإنساني للتحرك داخل علاقة مجدولة مع القوة والسياسة.
بهذا الربط يتضح أن النظام الإنساني الدولي ليس خطاً مستقيماً من الرحمة إلى الإغاثة، بل شبكة تتبادل فيها الأمم المتحدة ومجلس الأمن شرعية القرار، وتنتج منظمة الصحة العالمية ولجان اللقاحات معيار المعرفة والمخاطر ويؤمّن البنك الدولي وصندوق النقد شروط القدرة المالية، بينما يوفّر مسارا الأمن الحيوي لغة الامتثال، ويعمل المناخ كمضاعف يُسرّع انتقال الملفات بين المجالات المختلفة، وإذا كان السؤال العميق هو عمن يحكم باسم إنقاذ الحياة، فالإجابة الواقعية هي أن الحياة تُحكم عبر هذه الروابط بالذات، حيث تتحول الأخلاق إلى بنية والقرارات إلى تمويل ومعايير وامتثال، ثم تعود فتُعاد شرعنتها بوعد واحد يتكرر بلغات مختلفة وهو حماية الإنسان.




مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى