نصرالله يكتب: المدمن "قنبلة موقوتة" لا نعلم متى ستنفجر

بقلم العميد المتقاعد عبدالرحمن نصرالله

في بيتٍ ابتُلي أحدُ أعضائه بالإدمان، قد تختبئ مأساة صامتة، لا تُسمع لها أصوات انفجار، ولا تُرى لها ألسنة لهب، لكنها تدمّر ببطء كل ما حولها. الإدمان ليس مجرد سلوك فردي خاطئ، بل خطرٌ حقيقيٌ يهدد استقرار الأسرة والمجتمع بأكمله. إنّ المدمن قنبلةٌ موقوتةٌ قد تنفجر في أي لحظة، دون إنذار، مخلفةً وراءها خرابًا نفسيًا ودماراً اجتماعيًا واقتصاديًا على الفرد نفسه أولاً، ثم على اسرته ومجتمعه والبيئة المحيطة به.

ومع ظهور المواد المخدرة الكيميائية و انتشارها داخل المجتمعات ما زال البعض وللأسف يظن أن الإدمان ضعف إرادة أو خيار شخصي، لكن الحقيقة أعمق وأخطر. الإدمان مرض نفسي وسلوكي يؤثر في كيمياء الدماغ، يُفقدُ الإنسانَ قدرتَهُ على التحكم في قراراته وسلوكياته. ومع مرور الوقت، يصبح المدمن أسيرًا للمادة أو السلوك الإدماني، مستعدًا للتضحية بكل شيء في سبيل إشباع إدمانه.

عندما وصفنا المدمن بقنبلةٍ موقوتةٍ قصدنا أن وجود المدمن داخل الأسرة يشبه العيش بجوار قنبلة موقوتة. حياة يشوبها التوتر الدائم، والخوف، وفقدان الثقة، والعنف الذي يصبح جزءًا من الحياة اليومية، مما يحول المدمن إلى شخص عدواني، كاذب، أو غير مسؤول، الأمر الذي ينعكس سلبًا على الزوجة والأبناء و جميع افراد الاسرة ، ويخلق بيئةً غير آمنة نفسيًا وعاطفيًا، و غير مستقرة.

أما الأطفال الذين ينشأون في بيتٍ يعاني من الإدمان فسيحملون آثارًا نفسية عميقة تدوم معهم طيلة حياتهم مثل: القلق، الخوف، ضعف التحصيل الدراسي، وقد يقعون هم أنفسهم في دائرة الإدمان لاحقًا.

الانفجار المحتوم

انفجار هذه القنبلة قد يأخذ أشكالًا متعددة:
• عنف أسري قد يصل إلى الجريمة
• انهيار مالي بسبب إنفاق المال على المخدرات أو الكحول
• فقدان العمل والمكانة الاجتماعية
• حوادث قاتلة نتيجة فقدان الوعي أو التهور
• تفكك الأسرة بالطلاق أو القطيعة

والمؤلم أن هذا الانفجار غالبًا ما يصيب الأبرياء قبل المدمن نفسه.

رسالتي الى الجميع لا تصمت فالخجل، والخوف من كلام الناس، أو إنكار المشكلة يدفع الكثير من الأسر إلى الصمت. لكن الصمت لا يطفئ فتيل القنبلة، بل يمنحها وقتًا أطول للانفجار. التعامل مع الإدمان على أنه “أمر سيزول وحده” هو أخطر قرار يمكن اتخاذه.

أول خطوة نحو النجاة هي الاعتراف بوجود المشكلة، فالإدمان مرض قابل للعلاج، لكن بشرط التدخل المبكر والدعم الحقيقي. والعلاج لا يقتصر على المدمن وحده، بل يشمل الأسرة كلها، من خلال التوعية، والدعم النفسي، وإعادة التأهيل، فالدولة قامت بتوفير مراكز للعلاج في المملكة و العلاج مجاني للجميع وبسرية تامة و يعفي من العقوبة.

كما أن للمجتمع دورًا محوريًا في توفير بيئة داعمة بدلًا من الوصم والإقصاء. فالمدمن مريض يحتاج إلى علاج، لا مجرم يستحق النبذ.
وأخيراً، فإن المدمن قنبلة موقوتة، نعم، لكنها قنبلة يمكن تفكيكها قبل أن تنفجر. بالوعي، والشجاعة، وطلب المساعدة، إذ يمكن إنقاذ إنسان، وحماية أسرة، وبناء مجتمع أكثر أمانًا. تجاهل الإدمان خطر… أما مواجهته فهي بداية الحياة.

رحم الله الزميلة المحامية زينة المجالي التي توفاها الله بعد تعرضها لعدة طعنات من قبل شقيقها المدمن، وإنا لله وإنا إليه راجعون.




مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى