الأردن .. منصات تواصل تقدم علاجات بدون تشخيص وتخالف القواعد

التاج الإخباري -

مع توسع العالم الرقمي وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، برزت ظاهرة نشر الوصفات الطبية على الإنترنت بلا رقابة أو التزام مهني، ما يثير استياء الأطباء والقانونيين لهذه السلوكيات، فالكثير منهم يرون بأن نشر تلك الوصفات لا يخالف فقط القواعد العلمية، بل يضر بسمعة الطب ويخلق مخاطر صحية وقانونية حقيقية.


وقال أطباء على تلك المنصات إنه عندما تنتشر الوصفات على نحو عشوائي، يبدأ بعض المرضى بتجربتها من دون أي فحص أو استشارة، مؤكدين أن هذا يعرضهم لمضاعفات خطرة سواء بسبب استخدام أدوية غير مناسبة أو تناولها بجرعات خاطئة، وإثر ذلك، يجد المواطن نفسه أقل ثقة بالمؤسسات الطبية وتصبح المهنة أقرب لسلعة بلا ضوابط، ما يمس قيمتها الإنسانية والعلمية.
ويواجه الأطباء الذين يشاركون في هذه الممارسات مسؤولية قانونية وأخلاقية مباشرة، إذ إن هناك حاجة ملحة لإجراءات واضحة وصارمة لحماية المرضى أولا، وحفظ مكانة المهنة ثانيا.
مسؤولية لا تحتمل التأويل
الناطق الإعلامي باسم نقابة الأطباء د. حازم القرالة، شدد على خطورة الممارسات الطبية التي بدأت تتسلل للمنصات، وتجاوز بعضها حدود التوعية العامة، لتصل إلى مرحلة التشخيص ووصف العلاج عن بعد، دون أي معاينة سريرية مباشرة، أو اعتماد أدوات تشخيصية معترف بها، ما يثير إشكاليات قانونية ومهنية بالغة التعقيد.
وأوضح القرالة أن إقدام الطبيب على تشخيص مرض أو وصف علاج عبر هذه الوسائل، من غير فحص سريري أو ربط الأعراض بالسياق الطبي الكامل للمريض، خروج صريح عن الأصول العلمية للممارسة الطبية، التي تقوم أساسا على المعاينة الدقيقة والتشخيص المبني على أسس علمية واضحة.
وأكد أن مثل هذا السلوك قد يقود لأخطاء جسيمة في التشخيص أو العلاج، وفي حال ترتب على ذلك ضرر للمريض، فإن المسؤولية الطبية تكون "مكتملة الأركان" بتوافر الخطأ المهني المتمثل بمخالفة الأصول، والضرر اللاحق بالمريض، والعلاقة السببية بينهما، دون اعتبار لما إذا كان العلاج قد قُدِّم بمقابل مادي أو مجانا.
وأشار القرالة إلى أن المشرع الأردني حسم هذا الأمر على نحو قاطع؛ إذ نص قانون المسؤولية الطبية والصحية رقم (25) لسنة 2018 في المادة (3) على أن أحكامه تسري على مقدم الخدمة، أكانت بأجر أو دون أجر، وهو نص صريح لا يقبل التأويل، ويؤكد أن جوهر المسؤولية لا يرتبط بالمقابل المادي، بل بالفعل الطبي ذاته، ومدى الالتزام بالقواعد المهنية المقررة.

وبين القرالة أن الادعاء بأن التواصل جرى بدافع المساعدة أو النصح لا يغير من التكييف القانوني، ما دام الأمر تجاوز حدود الإرشاد العام إلى تشخيص فردي أو وصف علاج محدد، مؤكدا أن "حسن النية لا يعفي الطبيب من المسؤولية متى ثبت الإخلال بواجب الحيطة والحذر".
وأضاف أن اللجوء إلى التشخيص والعلاج عبر "السوشال ميديا" خارج الأطر القانونية والتنظيمية المعتمدة لا يشكل خطرا على سلامة المرضى حسب، بل يعرض الطبيب أيضا للمساءلة المدنية والتأديبية، وربما الجزائية، وفق جسامة الضرر، ما يستدعي وعيا مهنيا وقانونيا يوازن بين سرعة التطور التقني وحماية الحق في الصحة.
وشدد القرالة على أن الطب، وإن كان رسالة إنسانية سامية، فإنه في الوقت ذاته مسؤولية قانونية لا تمارس إلا وفق أصولها الراسخة وضوابطها المهنية الدقيقة.
تعهد قانوني
المستشار القانوني للنقابة المحامي أكرم الزعبي أكد أن التشريعات وضعت إطارا واضحا لمسؤولية الطبيب عن الأخطاء المهنية، مبينا أن المادة (45) من قانونها رقم 13 لسنة 1972 نصت على مساءلة الطبيب عن أي خطأ يرتكبه أثناء مزاولة عمله، فيما ألزمت المادة (71) الطبيب بأداء واجباته وفق الأصول العلمية المتعارف عليها، وبما يحقق العناية للمريض.
وأوضح أن المادة (73/د) تفيد بأن المسؤولية الطبية تحدد بناء على مدى الالتزام بالقواعد المهنية، في حين حظر الدستور الطبي في المادة (9) منه ممارسة المهنة في أماكن غير معدة إعدادا مهنيا لائقا.

وبين الزعبي أن هذه النصوص تؤكد أن التشخيص الطبي لا يمكن أن يُجرى إلا في بيئة مهنية مهيأة، ويستلزم معاينة سريرية مباشرة للمريض، بالإضافة إلى اعتماد وسائل التشخيص العلمية مثل الفحص الحسي والاختبارات المخبرية والصور الشعاعية، معتبرا أن أي تشخيص يُجرى عبر وسائل التواصل خطأ مهني جسيم وفق السياقات القانونية والمهنية، حتى لو ثبتت صحة التشخيص لاحقا، لأن الخطأ يكمن في العملية ذاتها لا في النتيجة.
وأضاف أن العلاقة الطبية تنشأ بمجرد بدء التشخيص، ما يفرض على الطبيب بذل الحد الأدنى من العناية المطلوبة، وأي إخلال بهذا الواجب يُعتبر تقصيرا جسيما يوجب المسؤولية، مؤكدا أن صحة التشخيص عبر وسائل التواصل لا تمنح الشرعية للإجراء نفسه مهما بدا صحيحا.
وفي معرض حديثه عن الحد الفاصل بين الإرشاد الطبي العام المباح والتشخيص الفردي الموجب للمسؤولية، أوضح الزعبي أن هذا الحد يتحدد عند الانتقال من العمومية إلى التخصيص المباشر لشخص بعينه، مضيفا أن المعلومات العامة التي تُقدَّم للجمهور كشرح أعراض مرض السكري أو التحذير من مضاعفاته، تعتبر مشروعة وتقع في دائرة النصح والإرشاد.
وأضاف الزعبي: "لكن إذا طلب شخص وصفة طبية أو دواء محددا عبر منصات التواصل بدعوى إصابته بالسكري، فإن الأمر يتحول إلى تشخيص فردي غير مشروع، لأنه يتجاوز الأصول العلمية ويخالف القوانين ذات العلاقة، حتى لو كان الدواء مناسبا له".
وأشار إلى أن خطورة هذا السلوك تكمن في احتمالية أن يلجأ مريض آخر يعاني من حالة أكثر تعقيدا إلى استخدام ذات الدواء، مما قد يعرضه لمضاعفات خطرة.
لذا فإن الفاصل القانوني والمهني يتمثل في العمومية لا الفردية، وفي تقديم الوصف العام لا التشخيص الشخصي، ما يحدد بوضوح ما هو مباح وما هو محظور في الممارسة الطبية عبر الفضاء الرقمي. الغد


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى