العطيان يكتب: السردية الأردنية قصة تُكتب بالوعي والمعرفة

بقلم أحمد العطيان

السردية الأردنية قصة تُكتب بالوعي والمعرفة …
ليس أخطر على الأوطان من أن تُختصر في ارقام وكلمات .
ومن الظلم أن يُقاس التاريخ بلغة السنوات وحدها بعيدا ً عن الجغرافيا
ولا يقاس بالجغرافيا بعيدا ً عن الإنسان ..
فالدول تُعلن عن أعيادها في تاريخ صنعه الأجداد والآباء ،
أما الوطن فيتشكّل ببطء يشبه بطولة الفرسان ،من صبر الناس،ومن ذاكرة الأرض،ومن قدرة المكان على البقاء حيًا رغم تغيّر الأزمنة.

نعم، الدولة الأردنية الحديثة تقارب القرن،
لكن الأردن، كأرض وسردية ومعنى،
أقدم من المصطلحات السياسية،
وأعمق من الخرائط التي تُرسم ثم تُعدَّل،
وأصدق من كل اختزال متعجل.

يقول جلالة الملك عبدالله الثاني في احدى المناسبات عبارة تختصر فلسفة وطن كامل:
«الأردن بُني على الإنسان قبل أن تُبنى مؤسساته».
وهنا يكمن جوهر السردية الأردنية؛
فما قامت عليه الدولة لم يكن فراغًا،
بل بشرًا عرفوا الأرض،وصبروا عليها،
وحموها في إقليم لا يمنح الاستقرار مجانًا.

إنجازات الملك لم تكن صاخبة،
بل عميقة الأثر:
ترسيخ دولة القانون،
حماية التعدد،
تثبيت الاعتدال الديني،
وبناء استقرار جعل من الأردن نقطة توازن في منطقة تموج بالفوضى.
وفي زمن اختلطت فيه الأصوات،
بقي صوت الأردن عقلانيًا،
لا لأنه الأقوى،
بل لأنه الأوضح سرديًا.

هذه الأرض لم تكن يومًا هامشًا.
كانت عقدة طرق بين حضارات،
ومعبرًا للقوافل لأن الماء كان هنا،
ولأن الحياة كانت ممكنة.
تبدلت الرايات،
لكن الناس بقوا.
الحاكم مرّ،
أما البنّاء فاستمر.

من عين غزال،
حيث وقف الإنسان الأردني الأول يفكر بالمعنى قبل أن يدوّنه،
إلى البتراء،
حيث نُحتت العبقرية في الصخر،
يتضح أن هذا المكان لم يكن يومًا عابرًا في التاريخ.

ولهذا كتب الشاعر حيدر محمود، وكأنه يوقّع باسم الأرض:

هنا الأردن…
تاريخٌ إذا نُطق الزمانُ بهِ انتسب

ومع ذلك،
تأخرت السردية الأردنية أحيانًا عن مكانها الطبيعي،
لا لقلة الشواهد،
بل لأن الأردني، بطبعه العروبي،
انشغل بالقضايا الكبرى،
وخدم غيره بصدق،
ونسي أحيانًا أن يدوّن اسمه في متن الحكاية.

وهنا يصبح التدوين فعل سيادة،
لا ترفًا ثقافيًا.
فمن لا يملك سرديته،
ستُكتب عنه بلسان غيره،
وبلغة قد لا تشبهه.

سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني عبّر عن هذا الوعي بوضوح حين قال
إن الهوية الواثقة لا تحتاج إلى ضجيج، بل إلى معرفة.
والمعرفة هنا ليست شعارًا،
بل مشروع دولة،
وجسرًا بين ماضٍ عميق ومستقبل لا يُبنى إلا بالوعي.

وفي هذا السياق،
لم يكن دور جلالة الملكة رانيا العبدالله تفصيلاً،
بل ركيزة في بناء السردية.
فالتعليم الذي آمنت به،
هو الذاكرة التي ستكتب الرواية القادمة،
لأن وطنًا لا يضع الإنسان في قلب المعرفة،
يترك تاريخه مهددًا بالانقطاع.

أما فلسطين،
فهي ليست خارج هذه السردية.
هي في القلب كما قال جلالة الملك،
وفي الوجدان كما يعرف الأردني دون شرح.
فقوة الأردن ليست بديلًا عن عدالة القضايا،
بل سندٌ لها،
واستقراره حماية للمنطقة كلها.

وقد لخص حبيب الزيودي هذا الثبات بقوله:

الأردن ما هو حكاية وقت وتخلص
الأردن صبر الأرض… وملح الرجولة

الأردن ليس رقمًا في نشرة،
ولا مرحلة عابرة،
ولا طارئًا على التاريخ.
هو سردية حيّة،
تحمي الدولة كما تحمي الذاكرة.

وحين نكتب هذه السردية بوعي وهدوء،
لا ننافس أحدًا،
ولا ننكر أحدًا،
بل نقول للأجيال القادمة بثقة:
أنتم لم تولدوا في فراغ،
بل على أرضٍ عريقةٍ اسمها الأردن …




مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى