الركيبات يكتب: البرنامج التنفيذي 2026–2029… استثمار ذكي لتمكين الشباب وبناء اقتصاد أردني منتج
التاج الإخباري -
بقلم: الدكتور محمد عامر الركيباتجاء إطلاق البرنامج التنفيذي للحكومة للأعوام 2026–2029 تحت رعاية جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، وبحضور سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ليعكس رسالة سياسية واقتصادية واضحة مفادها أن مسار التحديث لم يعد خيارًا ظرفيًا، بل نهج دولة طويل الأمد، تُسخَّر له الأدوات التنفيذية، وتُربط به المسؤوليات، وتُقاس نتائجه بالأثر المباشر على الاقتصاد والمجتمع. فالإطلاق لم يكن حدثًا بروتوكوليًا، بل إعلان انتقال واعٍ من مرحلة الرؤى العامة إلى مرحلة التخطيط التنفيذي القابل للقياس والمساءلة.
ويأتي هذا البرنامج في توقيت اقتصادي دقيق، حيث تواجه الاقتصادات الناشئة ضغوطًا مركّبة تتعلق بتباطؤ النمو عالميًا، وارتفاع كلف التمويل، وتغير أنماط الاستثمار، ما يجعل من وضوح الأولويات الاستثمارية عنصرًا حاسمًا. ومن هنا، يُحسب للبرنامج أنه قدّم حزمة متكاملة تجمع بين تحفيز الاستثمار، وتحديث الإدارة العامة، وتسريع التحول الرقمي، وتعزيز الحماية الاجتماعية، ضمن إطار واحد متناسق لا يعالج الأعراض بمعزل عن الأسباب.
اقتصاديًا، يضع البرنامج الاستثمار في قلب المعادلة التنموية، ليس باعتباره تدفقًا رأسماليًا فقط، بل كرافعة لتوليد فرص العمل وتحسين الإنتاجية. فالتركيز على القطاعات ذات القيمة المضافة العالية، والشراكات مع القطاع الخاص، ونماذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص، يشير إلى تحول حقيقي في دور الدولة من مشغّل مباشر إلى مُمكِّن ومنظِّم ومحفّز للنمو. وهذا التحول ضروري لتخفيف الضغط عن المالية العامة، وخلق بيئة أكثر جاذبية لرأس المال، وأكثر قدرة على الاستدامة.
وفي صميم هذا التوجه الاستثماري، يحتل الشباب والعمل الشبابي موقعًا متقدمًا. فالبرنامج يعكس فهمًا متقدمًا لحقيقة أن التحدي الأكبر ليس في عدد المشاريع، بل في قدرتها على استيعاب الطاقات الشابة، وتوفير وظائف نوعية، ومسارات مهنية مستقرة. ومن هنا جاء التركيز على ريادة الأعمال، والاقتصاد الرقمي، وتطوير المهارات، وربط التعليم والتدريب باحتياجات السوق، كمدخل أساسي لمعالجة فجوة التشغيل، لا عبر حلول قصيرة الأجل، بل من خلال إعادة هيكلة سوق العمل نفسه.
كما أن تحديث القطاع العام، بما يحمله من تبسيط للإجراءات، ورفع كفاءة الأداء، وتكامل الخدمات، يمثل عنصرًا حاسمًا في تحسين مناخ الاستثمار، خاصة للشباب ورواد الأعمال. فالدولة التي تختصر الزمن الإداري، وتوفر خدمات رقمية فعالة، وتضمن وضوح التشريعات، هي دولة تقلل كلفة الدخول إلى السوق، وتشجع المبادرة الفردية، وتفتح المجال أمام أفكار جديدة يقودها الشباب.
أما البعد الاجتماعي، فيكمّل هذه المعادلة من خلال سياسات حماية اجتماعية تضمن ألا تكون كلفة التحول الاقتصادي عبئًا على الفئات الأكثر هشاشة، وهو ما يعزز الاستقرار الاجتماعي، ويخلق بيئة أكثر أمانًا للاستثمار والعمل، خصوصًا في المجتمعات المحلية التي يشكل فيها الشباب عماد النشاط الاقتصادي والاجتماعي.
بذلك، يمكن القول إن البرنامج التنفيذي 2026–2029 لا يقدّم حلولًا مجتزأة، بل مقاربة اقتصادية متكاملة تعيد تعريف العلاقة بين الاستثمار، والدولة، والشباب. مقاربة تقوم على تمكين الطاقات لا احتوائها، وتحفيز الإنتاج لا استهلاك الموارد، وبناء مستقبل اقتصادي يقوده شباب مؤهل، ضمن مؤسسات حديثة، واقتصاد أكثر تنافسية واستدامة.
الرجاء الانتظار ...