الحباشنة يكتب: حتى لا يحقق الإرهاب هدفه .. رأي مواطن
التاج الإخباري -
بقلم المهندس عامر الحباشنة.دعونا نتفق منذ البداية على حقيقة أساسية، وهي أن لا دولة في العالم بمنأى عن الأعمال الإرهابية والإجرامية، وأنه لا توجد منظومة أمنية قادرة على منع هذه المخاطر بصورة مطلقة. والأردن، كغيره من دول العالم، ليس استثناءً من هذه القاعدة.
إن الهدف الأساسي للإرهاب والجريمة المنظمة لا يتوقف عند تنفيذ الفعل الإجرامي، بل يتجاوزه إلى خلق بيئة من الخوف وفقدان الطمأنينة والاستقرار، وإضعاف ثقة المواطنين بدولتهم ومؤسساتها. ومن هنا، فإن نجاح هذه الجماعات لا يقاس بالفعل وحده، وإنما بمدى قدرتها على تحقيق تداعياته النفسية والاجتماعية والسياسية.
وعلى امتداد عمر الدولة الأردنية، واجهت البلاد محطات عديدة من التحديات التي استهدفت استقرارها، وتنوعت منطلقاتها بين السياسي والأيديولوجي والمشاريع البديلة، وصولاً إلى الظاهرة التي تتخذ من الشعارات الدينية والمذهبية غطاءا لها. وفي كل تلك المحطات، استطاعت الدولة ومؤسساتها والمجتمع الأردني تجاوز التحديات، ولم تنجح تلك المحاولات في بناء حواضن شعبية صلبة أو اختراق النسيج المجتمعي بصورة مؤثرة. وهذه واحدة من أبرز ميزات التجربة الأردنية، التي يقر بها حتى من اختلفوا مع الدولة في محطات سياسية عديدة.
ويستند هذا الاستقرار إلى جملة من المرتكزات، في مقدمتها النهج التواصلي المستمر بين القيادة والمواطنين، وطبيعة النظام السياسي بمرجعيته الملكية، حيث يشكل رأس الدولة مرجعية دستورية ومظلة جامعة وصمام أمان، تتحرك تحتها قوى المجتمع بمختلف تلاوينها الاجتماعية والفكرية والسياسية.
ومن هذه النقطة أنطلق في قراءة ردود الفعل التي أعقبت حادثتي الكرك والعاصمة، حيث برزت ملاحظات وتساؤلات حول أداء الأجهزة الأمنية بمختلف مستوياتها، ومدى جاهزيتها وفاعلية إجراءاتها الوقائية وقواعد الاشتباك. وذهبت بعض ردود الفعل المنفعلة إلى المطالبة بالتشديد والقسوة، وطرح أفكار تتعلق بتسليح الشرطة وتقييد الحريات، وكأن مواجهة الإرهاب تستدعي تغيير طبيعة العلاقة بين المواطن والمؤسسة الأمنية.
ومع تفهمنا لحق المواطنين في التساؤل والنقد، وضرورة مراجعة أي قصور أو خلل، إلا أن علينا التمييز بين النقد الموضوعي وبين استثمار الأحداث لإثارة الشكوك حول المؤسسات، أو الزج بالمجتمع في تجاذبات سياسية واجتماعية ومطالبات بالإقالة والتعديل، قد تتجاوز جوهر الحدث إلى حسابات أخرى.
ومن المهم إدراك أن المؤسسات الأمنية الأردنية راكمت خبرات طويلة، وطورت أدواتها وأساليبها في مواجهة التحديات المتغيرة. كما أن ما يراه المواطن من أداء ميداني مباشر، كالشرطي وضابط المرور والحارس الأمني، ليس سوى جزء من منظومة أوسع تشمل العمل الأمني والاستخباري والتخطيطي، وتتكامل مستوياتها لتحقيق الأمن والاستقرار.
إن تقييم الأداء المؤسسي لا ينبغي أن يُختزل في تصرف فرد أو موقف مسؤول أو مشهد ميداني عابر، فالأداء الأمني المحترف يقوم على المعلومات والتخطيط والتنسيق والعمل الجماعي، وليس على ردود الفعل الآنية أو الاجتهادات الفردية. وفي الوقت ذاته، تبقى المراجعة والتطوير والمساءلة متطلبات أساسية لأي مؤسسة تسعى إلى الحفاظ على كفاءتها.
وفي الختام، وحتى لا يحقق الإرهاب هدفه، علينا أن نكون أكثر وعياً وحذراً في التعامل مع تداعيات الأحداث. فالإرهابي والمخرب وصاحب الأجندة الخاصة ليسوا أصحاب شكل أو زي محدد؛ فقد يظهر أحدهم بصورة المثقف أو الكاتب أو الشيخ أو الوجه الإعلامي، وربما بربطة عنق أنيقة ومنبر يتحدث منه باسم الوطنية والحرص على المجتمع.
فالمواقف والممارسات هي معيار الحكم، لا المظاهر والشعارات.
النقد حق، والمساءلة ضرورة، والتطوير واجب، لكن الحفاظ على الثقة بالدولة ومؤسساتها مسؤولية وطنية مشتركة. فالإرهاب لا يريد ضحاياه فقط، بل يريد مجتمعاً خائفاً، ودولة موضع شك، وثقة متصدعة بينهما.
حفظ الله البلاد والعباد قيادة وشعبا.
المهندس عامر الحباشنة
الرجاء الانتظار ...